فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: (( أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها ) ). فأرسلت المرأة فقالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها. فقال: (( أطعميه الأسارى ) )وسكت عليه أبو داود والمنذري، وقال الشيخ الألباني: رواه ابن منده في المعرفه ثم قال: وهذا سند صحيح [1] . فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتصدق بالشاة المطبوخة التي قدمت له ولأصحابه لما علم أن الشاة أخذت بغير إذن صاحبها. قال العلامة علي القاري: (فظهر أن شراءها غير صحيح لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح) [2] . ومما يدل على ذلك أيضًا ما تعددت به الروايات في قصة رهان أبي بكر رضي الله عنه لبعض الكفار عندما نزل قوله تعالى: {الم (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (في بضع سنين} (الروم: 1 - 3) . وجاء في بعض روايات هذه الحادثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: (( هذا سحت فتصدق به ) )وكان هذا قبل تحريم القمار كما قال القرطبي، وقد ذكر ابن كثير والقرطبي عدة روايات لهذه الحادثة [3] . وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددًا من روايات هذه الحادثة: (وقد روي نحو هذا مرسلًا عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم) [4] . وقد قاس بعض أهل العلم التخلص من المال الحرام بالتصدق به قاسوه على اللقطة إن تعذر ردها إلى مالكها فإن الملتقط يتصدق بها [5] . وينبغي أن يعلم أن إخراج المال الحرام والتحلل منه ودفعه إلى الفقراء والمساكين ويسمى هذا الدفع صدقة بالنظر إلى الفقير لا بالنظر إلى المعطي ذلك أن التائب من المال الحرام بإخراجه إلى الفقراء والمساكين لأجل أن تقبل توبته لا لأجل الأجر والثواب فهذا الإخراج من مكملات التوبة وشروطها ولا أجر لهذا الشخص في تخلصه من المال الحرام [6] . ولا ينبغي لك أيها السائل أن تحج من هذا المال الحرام فالحج من أعظم الطاعات فينبغي أن يكون المال الذي ينفق فيه
(1) الحديث سبق تخريجه، وانظر أيضًا: سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/ 394، والمشكاة 3/ 1672.
(2) مرقاة المفاتيح 10/ 297.
(3) تفسير القرطبي 14/ 2 - 4، وتفسير ابن كثير 3/ 422 - 424.
(4) تفسير ابن كثير 3/ 423.
(5) انظر: أحكام المال الحرام وضوابط الإنتفاع والتصرف به في الفقه الإسلامي ص 362.
(6) انظر: أحكام المال الحرام وضوابط الإنتفاع والتصرف به في الفقه الإسلامي ص 411 - 412.