وتجنب الحسد فإنه من آفات الكسب الحرام، فالمال فتنة من فتن الدنيا كما قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه: 131 و 132) .
ومن علامات المسلم الصادق أنه لا يحب الطمع في الدنيا ولا يحرص عليه مهما جاءه من مال، فهو لا يرغب بالمزيد منه، وليس في قلبه شيء من الجشع نحوه، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلاَمٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الغُلاَمَ الجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) ) [1] .
فالحرص الشديد يولّد للمسلم التعب، والطمع يولد الذل والمهانة، وقديمًا قيل (أذل الحرص أعناق الرجال) .
وقال إبراهيم بن أدهم: (قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع وكثرة الحرص والطمع تورث كثرة الغم والجزع) [2] .
والطمع يُعمي الإنسان عن حقائق الأمور ويُخفي عنه معالمها. وأنشد أحدهم:
(جمع الحرام على الحلال ليكثره دخل الحرام على الحلال فبعثره)
وقال الشعبي: (حكي أن رجلًا صاد قنبرة فقالت: ما تريد أن تصنع بي، قال أذبحك وآكلك. قالت: والله ما أشفي من قرم ولا أشبع من جوع، ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي؛ أما واحدة فأعلمك وأنا في يدك، وأما الثانية: فإذا صرت على الشجرة، وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل، قالت: هات الأولى، قالت: لا تلهفن على ما فاتك. فخلاها، فلما صارت على الشجرة قال: هات الثانية: لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون، ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالًا، قال فعض على شفته
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 174 برقم (3472) ، ومسلم في صحيحه 3/ 1345 برقم 21 - (1721) .
(2) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم 8/ 35.