ويوضحها كل مرة بمثال أو ببعض الأمثلة الملموسة في بضعة أسطر، من دون الإحالة إلى مراجع فائضة عن الحاجة. وليس بحثه هذا أطروحة جامعية، لكنه اليس أقل دقة من الأطروحات. ويمكن أن يسمح لنفسه باستخدام طريقة عرض كهذه، لأنه يتملك الموضوع المعني كليا في ما يخص كل تجربة، وبشكل مقتضب، وهو على معرفة تامة بالملف، بل يمكنه أن يقدم حججا دامغة. وأنا لا أتفق معه دائما، بل إنني أرى أنه يغالي في بعض الأوقات، لكن في الإجمال تسحرني قوة منهجه التي يمكنها أن تبدو عند مؤلفين آخرين مماچكة أو سطحية، في حين أن الأمر يتعلق بإيضاح صريح وجلي لمجموعة من النقاط التي تبني تفكيرا متكاملا معززا بأمثلة يمكن لأي كان أن يتعمق في الاستعلام عنها بسهولة إذا أراد ذلك.
يمتلك بيار کونيسا قلما رشيقا، وأيضا لاذعا و مؤلما»؛ وهو لا يتساهل مع الغباء، والتزييف، والأيديولوجيا، والكسل الفكري أو الكذب ولا يقبل «الكيل بمكيالين» ، ما يجعلنا نطبق على الآخرين، أي الأعداء، أنماط فكر لا نقبلها الأنفسنا.
تجعلنا قراءة هذا الكتاب اللاذع نشارك باستمرار بيار کونيسا ابتهاجه، الذي يكشف لنا عشرات المرات في الصفحة الواحدة، بوضوح و بشکل حتمي، الدناءة الفكرية لدى هؤلاء الذين يسهمون بصنع الأعداء. وحين تتلاشى أول لحظة منعة أو تصبح وراءنا، نشعر بالقشعريرة ونبدأ بالتفكير في القضايا الكبرى في عالمنا المعاصر، متسائلين عن كل هذه الورطات القاتلة التي كان يمكن للبشرية تفاديها لو أنها امتلكت قدرا أكبر من التأمل والتعقل وحس العدالة. والحقيقة أن الفكر الاستراتيجي مع بيار کونيسا وجد مثقفه الناقد.