لقد عاشت الجزائر أيضا الظروف التي تسبق حربا أهلية، وقسوة حرب الاستقلال، والمجازر بين الحركيين والمجاهدين، ومختلف عمليات التضليل التي قام بها الجيش الفرنسي، والتي أدت إلى عمليات تطهير دموية، فقتل
150.000 حركي وعائلاتهم الذين تخلى عنهم الجيش الفرنسي وذبحوا كخونة، عند الاستقلال، هذا إضافة إلى مظالم سياسة التعاونية الاشتراكية (collectivisation socialiste) والتمدين العشوائي من دون صكوك ملكية، والذي أعقبته عمليات طرد، والى النقص في المساكن والصلاحيات الإدارية، وفساد النخب ... كل ذلك جعل من هذه الدولة بلدا غنيا سكانه فقراء. وكان الشباب المحروم من الحياة الجنسية جراء القمع الأخلاقي، ومن الثقافة جراء فشل النظام التعليمي، ومن الزواج بسبب النقص في المساكن، ومن العمل بسبب البطالة الدائمة، ومن السياسة بسبب جبهة التحرير الوطنية التي استحوذت على السلطة، كان يتألف من عاطلين عن العمل يسمون «الحيطيين، (أي باللهجة الجزائرية حرفيا الذين يسندون الحيطان، وهذا تعبير فكاهي للإشارة إلى الشباب العاطلين عن العمل) . وكانت هذه الحالة هي الحضن للثورة الاجتماعية التي اندلعت عام 1988، ولمناضلي الإسلاموية ثم للحرب الأهلية.
نلاحظ الميزات ذاتها للعنف الاجتماعي في الحروب الأهلية في أميركا الجنوبية، ومن المحتمل أن تكون حرب الألف يوم (1899 إلى 1902) ثم (la violencia) الكولومبية (1946 - 1953) قد أسفرت عن 100
000 إلى 300. 000 قتيل على هيئة ثورات فلاحين، واغتيالات نقابيين، ومذابح ميليشيات كبار المالكين ....
يروي الناجون من هذه المجازر كلها لأولادهم ما حصل لهم، وهم رجال ونساء المستقبل الذين يقع على عاتقهم من الناحية الأخلاقية الانتقام من قتلة الأجداد، وهذه الذاكرة الخفية للمجازر تحفظها محددات الهوية المتمثلة بالوسط العائلي، وبالمحاربين القدماء، وبالكنائس، مهما كانت الأيديولوجيا الموحدة لدى النظام. وكانت التبوية، قد فرضت، لمدة أكثر من أربعين سنة، الفكرة اليوغوسلافية التي تكونت في أثناء مقاومة الاحتلال الألماني. بيد أن الهويات الصربية والكرواتية والسلوفينية استمرت في الوجود. و تبرهن