الصفحة 44 من 310

عنيفة، وأن التنظيم المشترك وحده يكبحهم. كما ينتقد النظرية الأرسطية التي تقول إن الإنسان كائن سياسي، فالإنسان قد يكون اجتماعيا قسرا، وليس بطبعه. والعدو بالنسبة إليه، إذا، هو معطي طبيعي. وتلخص هذه النظرية سريعا العبارة الشهيرة: «الإنسان ذئب للإنسان» . ويبدو صنع العدو بنيويا؛ إذ إن الحالة البدائية هي حالة حرب الجميع ضد الجميع .. ففي هذه الحالة، تقود غريزة البقاء الإنسان فحسب. الناس متساوون أصلا ولديهم الحقوق ذاتها على الأشياء، والوسائل ذاتها للحصول عليها، بالدهاء أو بالعنف. ويكون كل شخص هو الحكم الوحيد على الطرائق التي يمكن استخدامها لبلوغ ذلك، ومن بين هذه الطرائق الحرب. يعمد الإنسان إلى المهاجمة قبل أن يكون عرضة للهجوم، وذلك بغية استباق الخطر. وليس العنف سوى استباق للخوف في مواجهة التهديد الحقيقي أو المفترض، ولا يتساءل هوبز عما يتعلق بعملية اختيار العدو طالما أن الحرب وضع طبيعي ينتقد روسو (Rousseau) في كتابه حالة الحرب (2) (L' Etat de guerre) (منهج هوبز الفظيع، الذي يجعل من الحرب النظام الطبيعي للمجتمع البشري. وعلى العكس، فإن عملية إنشاء الحالة الاجتماعية التي أنهت الحالة الطبيعية، بررت الحرب وجعلتها شبه دائمة. ويضع روسو نفسه، كونه ابن زمنه، في إطار العلاقات بين دولة وأخرى، ويتخذ حرب السنوات السبع مرجعا له(3) . فالناس لا يكونون أعداء إلا في الوضع الظرفي للحروب بين الدول التي يشاركون فيها جنودا وليس في الحالة البدائية!

تنطلق هذا النظريات المؤسسة الكبرى من فكرة مفترضة عن الطبيعة البشرية التي يمكن أن تكون طيبة أو شريرة. ويفترض استمرار الحروب، بأشكالها الأكثر تنوعا، البحث في تصنيفات نظرية أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(3) نعتبر حرب السنوات السبع (1756 - 1763) أول النزاعات العالمية نوعا ما, سبينها نزاعات بين مستعمرين إنكليز وفرنسيين في كندا. وزجت أوروبا كلها في الحرب. اتحدت فرنسا والنمسا اللتان كانتا تنتحاريان منذ مئتي سنة في حين عقد فريدريك الثاني ملك بروسيا تحالفا مع إنكلترا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت