الصفحة 128 من 278

أسرته بالأندلس، بعد أن انهار سلطانها بالمشرق، ولكنه كان يواجه ظروفا صعبة، وتعترض سبيله سائر القوى والزعامات التي رأت في ولايته قضاء على سلطانها، فلبث أعواما طوالا، يخوض معارك متعاقبة مع الخارجين عليه في مختلف النواحي، ولبثت الأندلس حينا كالبركان المضطرم، لا تعرف سكينة ولا استقرارة، والحرب الأهلية تمزق وحدتها وتماسكها، والداخل يعالج هذا المعترك المروع بكل ما وسع من قوة وموارد، ومن دهاء وخديعة، وهو يهزم خصومه واحدة بعد الآخر، ويسير إلى غايته من إخماد الثورة وتوطيد الدولة، بهمة لا تعرف الكلل.

كانت مملكة الفرنج في ذلك الحين، قد ألت بعد وفاة عاهلها ببين إلى ولده کارل المعروف بشارلمان أو کارل الأكبر (سنة 718 م) . ولم تمض أعوام قلائل. حتى توفي أخوه کارلومان، فورث بلاده، وغدا يسيطر على مملكة الفرنج العظيمة كلها، من ضفاف نهر الرين، إلى جبال البرنيه.

وكان شارلمان ملكا عظيما، بل كان أعظم ملوك النصرانية في عصره، وقد غدا فيما بعد إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة .. وكان فوق مقدرته الحربية العظيمة، يتمتع بصفة أخرى لها خطرها، وهي كونه بطل النصرانية وحاميها الأكبر

وكان شارلمان منذ ولى الملك بشهر الحرب دون هوادة، على القبائل الوثنية السكسونية فيما وراء نهر الرين، ويرغمها على اعتناق النصرانية تباعة. وكان في نفس الوقت ينظر إلى قيام دولة الإسلام في الأندلس، بعين التوجس والحذر، ويرى في قيامها خطرة دينية وسياسية معا، يجب التحوط منه والعمل على درنه ما سنحت الفرص

وكانت حوادث الحرب الأهلية في الأندلس، وما تغرق فيه يومئذ من ضروب الشقاق والتطاحن، تبدو للعاهل الفرنجي فرصة طيبة للتدخل والعمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت