يتمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم، وإنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية. بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة، ففي الهند مثلا كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل والمعابد، في ظل الحكم الإسلامي. وينوه دوزي بأهمية هذا التسامح في حديثه عن فتح الأنلس ويقول: «لم تكن حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي مما يدعو إلى كثير من الشكوى بالنسبة لما كانت عليه من قبل، أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يتحلون بكثير من التسامح، فلم يرهقوا أحدا في شئون الدين .. ولم يغمط النصارى للعرب هذا الفضل، بل حمدوا الفاتحين تسامحهم وعدلهم، وأثروا حكمهم على حكم الجرمان والفرنج» . والخلاصة أن التسامح الديني كان أصلا ثابتة من أصول السياسة الإسلامية يرجع إلى عصر النبي ذاته، وقد دفع فيما بعد إلى حدود، لعلها جاوزت ماكان يراه النبي وخلفاؤه الأوائل
هذا التسامح وإن كان نسبيا معلقا على افتداء الحرية الدينية بالجزية، إلا إنه كان ظاهرة جديدة في عصور سودت صحفها سير الاضطهاد الديني، وفيها كانت تضطرم الخلافات والمعارك الدينية، فلا تخمد إلا في سيول من الدماء وكانت الدولة تملى دينها على الشعوب، سيدة كانت أو مسودة، ولا تقنع بالإيمان والشعائر اللفظية، بل تدفع العسف إلى أعمق ظروف الحياة الخاصة، فضلا عن الحياة العامة. >
وقد عصفت هذه السياسة بمنعة الدولة الرومانية الشرقية أيما عصف وقوضت من هيكلها الإجتماعي أيما تقويض، وكانت لها أيضا أثارها المخربة الهدامة في الدولة الفارسية. أما الدولة الإسلامية فقد عرفت منذ نشأتها قبة التسامح، واستطاعت أن تغزو به قلوب الشعوب والطوائف التي أضناها عسف المطاردة الدينية في ظل العهد القديم، وكانت فضلا عن الاضطهاد الديني تنوه