وكان الأغالبة يسيطرون من تونس على المياه الوسطى البحر المتوسط وكانت أساطيلهم القوية تجوس خلال هذه المياه فيما بين قلوريه (كلابريا) وحتى سردانية وكورسيكا، وتثخن في شواطنها، وكانت صقلية نظرا لضخامتها وغناها وقربها من الشاطئ الإفريقي، تبدو لهم بالأخص غنيمة قيمة هينة، فكانت مطمع أنظارهم يتحينون الفرص لافتتاحها وامتلاكها. >
ولافتتاح المسلمين لصقلية نصة طريفة تبدو كأنها قطعة من الخيال الشائق، وكان افتتاحها على يد شخصية عجيبة تبدو كأنها من شخصيات الأساطير الأولى.
فأما قصة الفتح حسبما تقدمها إلينا الرواية البيزنطية، فخلاصتها أن سيدا من أشراف صقلية بدعي بوفيمبوس (ويسميه العرب فيمي) هام بحب راهبة حسناء واختطفها من ديرها، فقضى الإمبراطور، وهو يومئذ ميخائيل الثاني، بجدع أنفه، عقابا له على جرمه، ففر إلى بلده سرقوسة، وثار في عصبته وأنصاره على حاكم الجزيرة البيزنطي، وانتزع منه سرقوسة، وبسط حكمه عليها.
ووقعت بالجزيرة حرب أهلية لم يثبت فيها فيمي، واخرج من سرقوسة ففر إلى إفريقية (تونس) واستغاث بأميرها، وهو يومئذ زيادة الله الأغلب، ودعاه إلى فتح صقلية ووعده بملكها.
ولكن الرواية الإسلامية لا تذكر لنا شيئا عن قصة الراهبة المخطوفة، وتقول لنا فقط إن الإمبراطور غضب على فيمي، وهو مقدم أسطوله، وأمر بالقبض عليه، وأنه ثار في شيعته واستولى على سرقوسة، ثم انتزعها منه زعيم أخر يدعى بلاطه، فسار فيمي في سفنه إلى إفريقية واستنجد بأميرها زيادة الله بن الأغلب، فاستجاب إلى دعوته وسير أسطوله إلى صقلية لافتتاحها بقيادة قاضي القيروان أسد بن الفرات بن بشر المري.