الصفحة 168 من 278

وكان أسد بن الفرات نقيها وعالما من أعظم علماء عصره. وهو أندلسي من إقليم غرناطة، رحل في شبابه إلى المشرق والقي الإمام مالك بن أنس بالمدينة وأخذ عنه، ثم عاد إلى إفريقية على قضاء القيروان وألف كتاب «المختلطة، في الفقه المالكي

ومما يدعو حقا إلى الإعجاب والدهشة، أن أسد بن الفرات كان إلى جانب علمه الغزير، أيضا جنديا جريئة ويحارة مغامرة، وقد قام من قبل في هذه المنطقة من مياه البحر المتوسط بغزوات سابقة، ويقول لنا ابن خلدون إنه افتتح جزيرة قوصر قبل ذلك.

وفي التواريخ الإفرنجية أن المسلمين قاموا سنة 806 م بعدة غزوات في کورسيکا. وفي سنة 810 ظفروا بالاستيلاء عليها مؤقتا حتى أخرجتهم منها جنود کارل الأكبر (شارلمان) . ولكنهم غزوها بعد ذلك مرارة. والظاهر أن أسد بن الفرات، وقد كانت هذه المياه وقتئذ مسرحا لأساطيل الأغالبة، كان له نصيب بارز في هذه الغزوات.

ولما اعتزم ابن الأغلب فتح صقلية حسبما تقدم، استنفر الناس للجهاد، نهرعوا لتلبية دعوته، وجمعت السفن من مختلف السواحل، وندب ابن الفرات القيادة الحملة، وخرج القاضي وأمير البحر الشيخ على رأس سفنه مرة أخرى في ربيع سنة 212 (827 م) متجها إلى جنوبي صقلية.

ولم تكن هذه الحملة من السرايا الصغيرة، بل كانت فيما بعد أعظم حملة عربية قادها أسد بن الفرات، وكانت حسبما تذكر الرواية الإسلامية تضم تسعمائة فارس وعشرة ألاف راجل غير النواتية، وكان معظمهم من الجند المجاهدين في سبيل الله. ورست السفن الإسلامية في ثغر مازر (أو مازارا في طرف الجزيرة الغربي، وهو أقرب ثغورها إلى الشاطئ الإفريقي، ونفذ أسد بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت