كأن تحتمل لفظة في الحديث وجهين في الضبط، فتضبط في كل رواية من روايتي الصحيحين على وجه منهما، وهذا الاختلاف تارة يترتب عليه اختلاف في المعنى، وتارة لا يعدو كونه وجهًا إعرابيًا لا أثر له على المعنى.
فمثال الأول: ما أخرجه البخاري [3، جـ 6، ص 447، ح 3356] ومسلم [4، جـ 4، ص 1839، ح 151 - 2370] قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم ) ).
قال النووي [7، جـ 15، ص 122] : (( رواة مسلم متفقون على تخفيف(القَدُوم) ، ووقع في روايات البخاري الخلاف في تشديده وتخفيفه )).
وقال ابن حجر [6، جـ 6، ص 449] : (( رويناه بالتشديد عن الأَصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف ) )انتهى.
وهذا الاختلاف له أثر في المعنى، فقد نشأ عنه اختلافهم في المراد، فقيل: القدُّوم ـ بالتشديد ـ، والمراد: قرية بالشام وهي التي اختتن فيها إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم، وقيل: القَدُوم ـ بالتخفيف ـ والمراد: آلة النجار التي استخدمها، ومنهم من قال: المراد اسم الموضع وضبطوه بالوجهين، ومنهم من عكسه [8، جـ 4، ص 27] ، [7، جـ 15، ص 122] ، [6، جـ 6، ص 449] .
ومثال الثاني: ما أخرجه البخاري [3، جـ 9، ص 34، ح 5087] ومسلم [4، جـ 2، ص 1040، ح 76 - 1425] قالا: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي ... الحديث.
وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( انظر ولو خاتمًا من حديد ) )فذهب، ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد ... هذا لفظ البخاري.
وجاءت لفظة (( خاتمًا ) )عند مسلم مرفوعة في الموضعين.
قال النووي [7، جـ 9، ص 213] : (( هكذا هو في النسخ: (( خاتم من حديد ) )، وفي بعض النسخ: (( خاتمًا ) )وهو واضح، والأول صحيح أيضًا، أي: ولو حضَرَ خاتَمٌ من حديد )) انتهى.