بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد اتفقت كلمة الأمة على أن أصحَّ الكتب المصنَّفة صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأن أصحَّ الأحاديث ماأخرجه الشيخان، وأعلاها مرتبة مااتفقا عليه، فإذا انضاف إلى المتفق عليه كونه يروى من طريق واحد ـ أعني بسند واحد عن شيخ واحد ـ عُدَّ ذلك ميزة وخصوصية، تقتضي عقلًا كما اتفقا في سنده، أن يتفقا في ألفاظه.
لكن الممارس للكتابين يقف على أحاديث بالصفة المذكورة قد اشتملت على فروق ومغايرات في متونها.
وكنت أتساءل دائمًا عن نسبة تلك الأحاديث، وأسباب عدم تطابقها، ونوعية الفروق والمغايرات التي اشتملت عليها، ومدى أهميتها وتأثيرها، حتى شرح الله تعالى صدري لجمعها ودراستها.
وللحافظ ابن حجر رحمه الله كلام ذو صلة بهذه المسألة، ربما الواقف عليه أرجع أي فرق أو اختلاف بين الكتابين إلى سبب واحد ومتسبب واحد، وإليك نصَّ كلامه:
قال ابن حجر [1، جـ 1، ص 283] : (( إن البخاري صنف كتابه في طول رحلته، فقد روينا عنه أنه قال: (( رب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر، ورب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان [1] ، فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه، فلايسوق ألفاظه برمتها، بل يتصرف فيه، ويسوقه بمعناه، ومسلم: صنف كتابه في بلده، بحضور أصوله، في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق ) ) انتهى.
فمن وقف على هذا النص ربما قام في ذهنه أن كافة الفروق بين ألفاظ الصحيحين بسبب أن البخاري يتصرف في الألفاظ ويسوقها بالمعنى، بخلاف مسلم فإنه يتحرز ويتحرى فيها.
وللتحقق من هذا كان لابد من جمع تلك الأحاديث، والموازنة بين متونها؛ للوقوف على التطابق وعدمه بين ألفاظها، ثم دراسة الفروق في الأحاديث التي لم تتطابق، للوقوف على صور تلك الفروق، وإرجاعها إلى أسبابها.
(1) 1 - النص عند الخطيب بلفظ: (( رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ) ). البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. [2، جـ 2 ص 11] .