الصفحة 18 من 51

في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه )) .

فهذا الحديث قطّعه مسلم على موضعين، فأخرج من أول الحديث إلى قوله: (( تبع لكافرهم ) )في الإمارة [4، جـ 3، ص 1451، ح 1 - 1818] ، وأخرج باقيه في فضائل الصحابة [4، جـ 4، ص 1958، ح بعد 199 - 2526] .

والموضعان اللذان أخرج فيهما مسلم الحديث يعادلان ماذكره البخاري تامًا في موضع واحد، فالمغايرة إذًا صورية لاحقيقية، وهي تعود إلى الاختلاف في المنهج لا في المضمون.

المطلب الثاني: أسباب الفروق بين الروايتين

قال الحافظ ابن حجر [1، جـ 1، ص 283] عن الإمام البخاري: (( ربما كتب الحديث من حفظه، فلايسوق ألفاظه برمتها، بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه ) ).

وقال [1، جـ 1، ص 283] عن الإمام مسلم: (( كان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق ) ).

وقد اشتهر قوله هذا عند المتأخرين، وتناقلوه في مصنفاتهم، كالسيوطي في (( تدريب الراوي ) ) [11، جـ 1، ص 94] ، والصنعاني في (( توضيح الأفكار ) ) [12، جـ 1، ص 46 - 47] ، وغيرهما.

وقد أشرت أول البحث إلى أن هذا القول ربما أقام في الأذهان أن السبب الأوحد للفروق بين ألفاظ الصحيحين هو تصرف البخاري في الألفاظ، وتجويزه الرواية بالمعنى، مع التحرز والتحري الذي امتاز به مسلم، علمًا بأن الفروق والمغايرات بين روايتي الكتابين ليست محصورة بالسبب المذكور، وأن هناك أسبابًا أخرى، وإليك أهم تلك الأسباب:

وهذه المسألة بحثها العلماء، وبسطوا الكلام عنها في كتب الاصطلاح، فمنهم من منع الرواية بالمعنى مطلقًا، ومنهم من أجازها للعالم بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، الخبيرِ بما يُحيل معانيها، ومنهم من خصَّ الجواز في غير حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب الجمهور إلى جواز الرواية بالمعنى إذا تحقق الراوي من المعنى وقطع بأدائه، قال السيوطي ـ 11، جـ 2، ص 98 - 99: (( وهو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة ) )انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت