ويمكننا بدايةً إرجاع بعض الفروق والمغايرات الواقعة بين روايتي الصحيحين في حديث اتفقا على إخراجه بسند واحد عن شيخ واحد إلى أن تصرفًا ما حصل في ألفاظ إحدى الروايتين، دون تحديد الكتاب وتعيين المتصرف، وإذا قام الدليل الذي يبين الرواية التي حصل فيها التصرف، فحينئذ نحكم بالدليل دون توقف، وبدونه يبقى الأمر محتملًا، والتعيين متعذرًا.
وقد قام الدليل على أن بعض الأحاديث المتغايرة حصل التصرف فيها في كتاب البخاري.
مثال ذلك: قال البخاري [3، جـ 11، ص 212، ح 6407] : حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت ) ).
وقال مسلم [4، جـ 1، ص 539، ح 211 - 779] : حدثنا عبد الله بن براد الأشعري ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل البيت الذي يُذكر اللهُ فيه، والبيت الذي لايُذكر الله فيه، مثل الحي والميت ) ).
فهذا الحديث حصل التصرف في ألفاظه عند البخاري، بدليل أن أبا يعلى [13، جـ 13، ص 291، ح 86 - 7306] أخرج الحديث عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء بالسند المذكور فذكر مثل لفظ مسلم، وأخرجه عن أبي يعلى: ابن حبان [14، جـ 3، ص 135، ح 854] كذلك، كما أخرجه باللفظ المذكور: أبو عوانة والإسماعيلي من طرق عن أبي أسامة، به [6، جـ 11، ص 214] .
قال ابن حجر [6، جـ 11، ص 214] : (( فتوارُدُ هؤلاء على هذا اللفظ يدل على أنه هو الذي حدَّث به بريد بن عبد الله شيخُ أبي أسامة، وانفرادُ البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه أو تجوز في روايته بالمعنى الذي وقع له، وهو أن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن ... ) )انتهى.
بيد أن بعض الأحاديث المتغايرة بسبب التصرف في الألفاظ والرواية بالمعنى، لم تتحدد فيها الرواية التي وقع فيها التصرف، مما يجعلنا نتوقف عن تعيينها:
مثال ذلك: قال البخاري [3، جـ 6، ص 594، ح 3482] : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( عُذِّبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض ) ).