الصفحة 28 من 51

النسخ على حواشيها، فرأيت النص على حاشيتها مثل ما جاء عند مسلم تمامًا، ورمز إليه برمز رواية أبي ذر الهروي، وصحح عليه.

إن كثرة النسخ الخطية للكتب المشهورة أمثال الصحيحين أمر معلوم، وهذه النسخ بالنظر إلى تباعد زمانها، واختلاف مكان نسخها، وتفاوت نُسّاخها خبرة ودُرْبة، يقع فيما بينها فروق ومغايرات، وهذا يعلمه كل من عايش عدة مخطوطات لكتاب واحد وقابل نسخه ببعضها.

وقد بدت لي المهمة صعبة لإثبات أمثلة على المغايرات بين الصحيحين بسبب اختلاف النسخ، وبخاصة أن الكتابين لم يحققا إلى الآن التحقيق العلمي، ولم يراع في طبعاتهما الموجودة إثبات مغايرات النسخ الخطية، إضافة إلى صعوبة الرجوع إلى عدة نسخ خطية لكل من الصحيحين للكشف عن تلك الفروق.

بيد أني هديت إلى بعض الطبعات القديمة للصحيحين، تلك التي اعتنت بالفروق، وأثبتت مغايرات النسخ على حواشيها، كطبعة الآستانة لصحيح البخاري ـ تقدم ذكرها قريبًا ـ، والطبعة العثمانية لصحيح مسلم، وقد جاء فيها أنه تم الاعتماد في طباعتها على عدة مخطوطات ونسخ قديمة، بالإضافة إلى ماذكره ابن حجر في ثنايا شرحه (( فتح الباري ) )، مما أمكنني الوقوف على أمثلة لأحاديث اشتملت على فروق ومغايرات بسبب اختلاف النسخ.

مثال ذلك: قال البخاري [3، جـ 7، ص 526، ح 4194] : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة بن الأكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قَرَد ... الحديث.

وفيه: ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء.

وجاء عند مسلم [4، جـ 3، ص 1432، ح 131 - 1806] : ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قَرَد وقد أخذوا .... فزاد: (( بذي قَرَد ) ).

وراجعت الطبعة العثمانية لصحيح مسلم [9، جـ 5، ص 189] فوجدت على حاشيتها مايشير إلى وجود نسخة من (( صحيح مسلم ) )بدون هذه الزيادة، موافقة لما جاء في البخاري، مما أظهر لي أن الاختلاف بين لفظي الصحيحين في هذا الحديث بسبب اختلاف نسخ (( صحيح مسلم ) ).

ومما يؤكد هذا: أن الحديث رواه النسائي [20، جـ 6، ص 243، ح 10814] عن قتيبة بالسند المذكور، بمثل لفظ البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت