إن الأحاديث التي اتفق الشيخان على إخراجها بسند واحد عن شيخ واحد ولم تتطابق متونها، كثيرة أيضًا، بل هي أكثر من الأحاديث المتطابقة.
وأعني بعدم التطابق هنا: وجود أي فرق بين روايتي الصحيحين، ومعلوم أن الفروق ليست على درجة واحدة، فمنها اليسير، ومنها الكثير.
فمثال ما كان الفرق فيه يسيرًا: ما أخرجه البخاري [3، جـ 8، ص 24، ح 4494] قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى القبلة.
وأخرجه مسلم [4، جـ 1، ص 375، ح 13 - 526] بالسند المذكور، وقال في آخره: فاستداروا إلى الكعبة، بدل: القبلة.
ومثال ما كان الفرق فيه كثيرًا: ما أخرجه البخاري [3، جـ 8، ص 619، ح 4982] قال: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن الله تعالى تابع على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفاه أكثرَ ما كان الوحيُ، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ.
وأخرجه مسلم [4، جـ 4، ص 2312، ح 2 - 3016] قال: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد والحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد (قال عبد: حدثني. وقال الآخران: حدثنا) يعقوب ـ يعنون ابن إبراهيم بن سعد ـ حدثنا أبي، عن صالح ـ وهو ابن كيسان ـ عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك أن الله عز وجل تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد بلغ عدد الأحاديث المروية في الكتابين من طريق واحد عن شيخ واحد ولم تتطابق متونها (177) سبعة وسبعين حديثًا ومئة حديث، انظر: ملحق (5) .
وهذه الأحاديث التي لم تتطابق ألفاظها تطابقًا تامًا، جاءت المغايرات والفروق فيها على صور مختلفة، ولأسباب متعددة، وبيان هذا هو موضوع المبحث الثاني.