الصفحة 38 من 48

من الناس مَن يشتهر بالرقية وقراءة الأذكار الشرعية على المرضى، فتتزاحم الأقدام على أبوابهم طلبًا للدواء، وتمتلئ جيوبهم بالأموال مما يدفعهم إلى امتهان الرقية والتفرغ للقراءة، واتخاذها مهنة وحرفة لهم فيوسعون دورهم كالمشفى ويرتبون المواعيد للمرضى.

ومن المعلوم أنَّ الرقية مباحة بضوابطها الشرعية، كما أن أخذ الأجرة عليها مباح لقول رسول الله لمن رقى لديغًا بفاتحة الكتاب وأخذ شاة:"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" [1] .

فإذا علم إباحة الرقى، وإباحة أخذ الأجرة عليها انحصر الأمر في موضوع التفرغ لهذا العمل، واتخاذه مهنة وحرفة، وهذا في نظري يترتب عليه مفاسد كثيرة بالنسبة للقارئ والمقروء عليه، ومنها:

1 ـ اعتقاد الناس أن للقارئ خصوصية معينة تطغى على أهمية المقروء، والأصل في الرقية هي المقروء، والقارئ تبع لذلك، ولا ننكر ما لصلاح القارئ من تأثير، وعليه فالناس تمدح القارئ، وكأن المقروء لا اعتبار له. وقد قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [2] .

2 ـ عدم اتخاذ الصحابة أو الخلفاء حرفة القراءة، وإنما المريض يقرأ على نفسه من كتاب الله. وما ترك علماء أهل السنة هذا الأمر إلا من فقههم، وقد قيل لو أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فتح دكانًا للقراءة على المرضى، لما استطاع أن يكتب سوداء في بيضاء، في زمن الجهل والخرافات.

3 ـ إن الناس تزداد ثقتها بالشخص القارئ عندما ينجح في إقصاء الداء، أكثر من ثقتها بالمقروء، ولذلك يقال فلان قدير، وهذا من مكر الشياطين بالناس.

(1) صحيح البخاري مع الفتح: (10/ 169) .

(2) الاسراء آية 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت