الصفحة 15 من 29

جاءَ أُسلُوبُ القَسَمِ هنا بِواسِطةِ الفِعلِ"أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبيّينَ"، فهذا التركِيبُ قَسَمٌ، و"ما"في"لَمَا"جاءَتْ شَرطيَّةً، بِناءً علَى رَأْيِ الفرَّاء والَّلامُ مُوطِّئةٌ، أي: مُمَهِّدةٌ لِلقَسَمِ، ولِهذا أُجِيبَ الجَوابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، مُضَارِعًا مُؤكَّدًا بِنُونِ التَّوكيدِ الثَّقِيلةِ"لَتُؤمِنُنَّ بِهِ". فهنا ذَكَرَ رأيَ الكِسائِيِّ دونَ تَصريحٍ بِهِ، فهو يرَى أنَّ"ما"شرطِيّة، فَعَلَى رَأيهِ مَوضِعُها نَصبٌ بِالفِعلِ"آتَيتُكُم". ولأبِي عُبيدَةَ في هذا رأيٌ حسَنٌ، قالَ: المعنى وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُؤمِنُنَّ بِهِ لِمَا آتَيْتُكُم مِنْ ذِكرِهِ فِي التَّوراةِ .. وقِيلَ فِي الكلامِ حذفٌ. والمعنى: وإذ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيينَ لَتُعَلِّمُنَّ النَّاسَ لِما جاءَكُم مِنْ كِتابٍ وحِكمَةٍ، ولِتَأخُذُنَّ علَى النَّاسِ أنْ يُؤمِنُوا، ودلَّ علَى هذا الحَذفُ (وأَخَذْتُم علَى ذلِكُم إصرِي) [1] .

وفِي هذهِ المسألةِ أيضًا نَجِدُ أنَّ:"ما"، هُنا بِمَعنَى"الَّذِي"والتَّقدِيرُ: لَلَذِي آتَيْتُكُمُوهُ، ثمَّ حَذَفَ الهاءَ لِطُولِ الاسمِ فـ"الَّذِي"رَفعٌ بِالابتِداءِ، وخَبرُهُ"مِن كِتابٍ وحِكمةٍ"و"مِنْ"لِبيانِ الجِنسِ، والَّلامُ مُوطِّئةٌ لمجيءِ:"ما"، بَعدَها جَوابًا لِلقَسمِ،. وقَولُهُ:"ثمَّ جاءَكُم"، مَعطُوفٌ علَى الفِعلِ بَعدَ:"ما"، فَهُوَ فِي حيِّز ِالشَّرطِ، ويَلزَمُ أنْ يَكُونَ فِي قَولِهِ:"ثمَّ جاءَكُم"، رابِطٌ يَربِطُها بِمَا عُطِفَتْ علَيهِ، لِأنَّ:"جاءَكُم"، مَعطُوفٌ علَى الفِعلِ بَعدَ:"ما"، و:"لَتُؤمِنُنَّ بِهِ"، جَوابٌ لِقَولِهِ: (أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبيِّينَ) وجَوابُ الشَّرطِ مَحذُوفٌ لِدَلالةِ جَوابِ القَسَمِ علَيهِ، والضَّمِيرُ فِي:"بِهِ"، عائِدٌ علَى:"رَسُول"، ونَحنُ فِي هذِهِ المَسأَلةِ نَمِيلُ إلَى كَونِ"ما"مَوصُوليَّةً مُخالِفِينَ بذلِكَ رَأيَ الفرَّاء وشيخِهِ الكِسائِيِّ.

وإِمامُ النُّحاةِ سيبويه، حِينَ سَألَ شَيخَهُ الخليل-رَحِمَهُما اللهُ- عَن قَولِهِ تَعالَى: (وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ ولَتَنصُرُنَّهُ) ، أَجابَهُ:"ما"ها هُنا بِمَنزِلةِ"الَّذِي"، ودَخَلَتْها"الَّلامُ كَمَا دَخَلَتْ علَى"إنْ"حِينَ قُلْتَ:"واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأَفعَلَنَّ "، فالَّلامُ الَّتِي فِي"ما"كَهذِهِ الَّتِي فِي " إنْ"، والَّلامُ الَّتِي في الفِعلِ كَهذِهِ الَّتي فِي الفِعلِ هُنا [2] ."

(1) إعراب القرآن: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل الملقب بابن النحاس (ت 388 هـ) ، تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1426 هـ-2005 م، ص 211.

(2) الكتاب 3: 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت