الصفحة 23 من 29

فأَدخَلَ"أنْ"على إنَّما. [1]

تعليق ومقارنة:

أَرادَ هُنا فِي هذا الأُسلُوبِ أنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العِلمَ والظَّنَّ قَسَمٌ، وجَوابُ القَسَمِ ما بَعدَ"ما"، أي: مَا هؤلاءِ يَنطِقُونَ، فجَوابُ القَسَمِ جَاءَ مُقترِنًا بِحرفِ النَّفيِ"ما"، وأرادَ أيضًا أَنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العَرَبَ تَضَعُ"أنْ"قبل"ما"، وهذا صَوابٌ عِندَهُم ولَيسَ بِخطأ، وأتى بِشَاهِدٍ علَى ذلِكَ.

ومِن مِثلِ ذلِكَ أيضًا قَولُهُ تعالَى: (وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ) [2] . العِدَةُ قَولٌ يَصلُحُ فِيها"أنْ و جَوابُ اليَمِينِ"، وإنَّ"أنْ"تَصلُحُ فِي مِثلِهِ من الكَلام. [3]

وقَولُهُ: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهلَهُ) [4] . وهيَ فِي قِراءةِ عبدِ الله: (تَقَاسَمُوا بِاللهِ) ، ليسَ فِيها"قالُوا". وقَولُهُ: (لَنُبَيِّتَنَّهُ) ، التاء، والنُّون، والياءُ، كُلٌّ قَد قُرئَ بِهِ، فَمَنْ قالَ (تَقَاسَمُوا) ، فَجَعَلَ (تَقَاسَمُوا) خَبَرًَا، فَكأَنَّهُ قالَ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ: لَنُبَيِّتَنَّهُ، بالنُّونِ. ثُمَّ يَجُوزُ اليَاءُ فِي هذا المعنَى، فَتَقُولُ: قالُوا لَيُبَيِّتُنَّهُ، بالياء، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا لَنَقُومَنَّ، ولَيَقُومُنَّ. ومَنْ قالَ: تَقَاسَمُوا، فَجَعَلَها فِي مَوضِعِ جَزمٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَحالَفُوا وأَقسَمُوا لَتُبَيِّتَنَّهُ، بالتاء والنُّون تَجُوزُ مِن هذا الوَجهِ، لأنَّ الَّذِي قالَ لَهُم تَقَاسَمُوا مَعَهُ فِي الفِعلِ داخِل، وإنْ كانَ قَد أَمَرَهُما ألا ترى أنَّكَ تَقُولُ: قُومُوا نَذهَبْ إلَى فُلانٍ، لأنَّهُ أَمَرَهُم، وهو مَعَهُم فِي الفِعلِ. فالنُّونُ أَعجَبُ الوُجُوهِ إلَيَّ، وإنَّ الكسائِيَّ يَقرأُ بالتَّاءِ، والعوامُّ علَى النُّون. وهِيَ فِي قِراءةِ عبدِاللهِ (تَقَاسَمُوا) ، (ثُمَّ لَنُقسِمَنَّ ما شَهِدْنَا مَهلِكَ أَهلِهِ) . [5]

(1) معاني القرآن 2: 207.

(2) الآية 55 من سورة النور.

(3) معاني القرآن للفراء 2: 258.

(4) الآية 49 من سورة النمل.

(5) معاني القرآن للفراء 2: 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت