الصفحة 18 من 29

مُتَّصلٌ مبنيٌّ فِي محلِّ جرٍّ مُضافٌ إلَيهِ. هذا في إعرابه أمَّا في دلالتِهِ فأفادَ القَسَمَ، ومثلُهُ في الدِّلالةِ علَى القَسَمِ قولهم: بَلَغني لَأَفعلّنَّ، وانتَهَى الأَمرُ لَأَكتُبَنَّ، وقِيلَ لِي لتَأتِيَنَّ.

(وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجمعِينَ) ، فَهذِهِ الجملةُ ضُمِّنَتْ مَعنَى القسَمِ كقولِهِ تَعَالَى: (( وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ) ، ثمَّ عقَّبَ بِقَولِهِ: (لَتُؤمِنُنَّ بِهِ) . فهذا الأُسلُوبُ القرآنيٌّ لا يَرقَى النَّثرُ ولا الشِّعرُ لِمِثلِهِ مُطلَقًا. ومثلُهُ مِن الأَفعالِ في أداءِ معنَى القسَمِ:"وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ"، وقوله: (ولَقَد كانُوا عاهَدُوا اللهَ) ، وقوله: (وقَضَيْنا إلَى بَنِي إسرَائِيلَ) ، وقوله: (كَتَبَ اللهُ) .

وقَولُهُ تعالَى: (تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) . [1] العَرَبُ لا تَقُولُ: تَا الرَّحمَنِ، ولا يَجعلُونَ مَكانَ الوَاوِ تاءً إلَّا فِي لَفظِ"الله"عزَّ وجلَّ. وذلِكَ أنَّها أَكثرُ الأَيمانِ مُجرَى فِي الكَلامِ، فَتوهَّمُوا أنَّ الواوَ مِنها لِكثرَتِها، وأبدلُوها تاءً [2] ، كما قالُوا: التُّرثُ، وهِيَ مِن ورِث.

وقوله: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا) ، الَّلامُ لامُ القَسَمِ، وقد: حرف تحقيق، وعَلِمْتُم: فعل ماضٍ، والتاء: ضميرٌ متصلٌ في محلّ رفع فاعل. وجملة: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا) : واقعة في جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب. وجَوابُ القَسَمِ الَّذِي جاءَ فِي الآيةِ: (ما جِئْنا لِنُفسِدَ فِي الأَرضِ) اقتَرَن بـ"ما"النَّافيةِ، ولم يقفُ النُّحاةُ عندَه كَثيرًا، فهو قَسَمٌ مؤلَّفٌ من أداة وفعلٍ وجواب.

وفي قوله: (تَاللهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ) . [3] مَعناهُ لا تَزالُ تَذكُرُ يُوسُفَ، و"لا"قد تُضمَرُ مَعَ الأَيمانِ، لِأنَّها إذا كانَتْ خَبَرًا لا يُضمَرُ فِيهَا"لا"لم تكنْ إلا بـ"لام"، ألا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ: واللهِ لآتِيَنَّكَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: واللهِ آتِيكَ إلا أنْ تَكُونَ تُرِيدُ"لا"فلمَّا تَبَيَّنَ مَوضِعُها، وقد فَارَقتِ الخبرَ أُضمِرَتْ، قالَ امرُؤُ القيس: (من الطويل)

(1) الآية 73 من سورة يوسف.

(2) معاني القرآن 2: 51.

(3) الآية 85 من سورة يوسف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت