المبحث الثالث
معنى وتوجيه
وقولُهُ تَعالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) . [1] قالَ: (أَو لَتَعُودُنَّ) فَجعَلَ فِيها لامًا كَجَوابِ اليَمِينِ، وهِيَ فِي مَعنَى شرط، مِثلُهُ فِي الكَلامِ أَنْ تَقُولَ: واللهِ لأَضْرِبَنَّكَ أو تُقِرَّ لِي. فيكون معناه معنى:"حتَّى"أو"إلَّا"، إلَّا أنَّها جاءَتْ بِحرفِ نَسَق. [2]
هذا القَسَمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرَّاء هنا قَسَمٌ فِيهِ حذْفٌ وتقدِيرٌ، وهو: وقَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِرُسُلِهِم، والجَوابُ: لَنُخرِجَنَّكُم مِن أَرضِنا أَو لَتَعُودُنَّ، وجُملةُ (لَنُخرِجنَّكُم) : جَوابُ القَسَمِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ فِعليَّةٌ، والحذفُ فِيهِ"واللهِ". ويَعرِضُ لِمَسألةٍ نحويَّةٍ غايةٍ في الأهميّةِ، وهِيَ ما يأتِي بَعدَ جَوابِ القَسَمِ مُتبِعًا لَهُ بـ"أو"حرفِ العَطفِ، فمنَ العَربِ مَنْ يَجعلُ الشَّرطَ مُتبِعًا للَّذِي قَبلَهُ، إنْ كانَتْ فِي الأوَّلِ لامٌ كانَ في الثاني لامٌ، وإنْ كَانَ مَنصُوبًا أو مَجزُومًا نَسَقُوا علَيهِ، كَقَولِهِ: أو"لَتَعُودُنَّ"، ومِن العَربِ مَنْ يَنصِبُ ما بَعدَ"أو"لِيُؤذِنَ نَصبُهُ بِالانقِطاعِ عمَّا قَبلَهُ. وقالَ الشَّاعر [3] : (من الرَّجز)
لَتَقعُدِنَّ مَقعَدَ القَصِيِّ مِنِّيَ ذِي القَاذُورَةِ المَقْلِيِّ
أَو تَحلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
فَنَصبَ (تَحلِفِي) لأنَّه أرادَ: أنْ تحلِفي، ولو قالَ: أو"لِتَحلِفَنَّ"، كانَ صوابًا، ومِثلُهُ قولُ امرئِ القيس: (من الطويل)
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأَى الدَّربَ دُونَهُ وأَيقَنَ أنَّا لاحِقانِ بِقَيصَرا
(1) الآية 13 من سورة إبراهيم.
(2) معاني القرآن 2: 70.
(3) معاني القرآن 2: 70. ينظر في اللسان مادة (ذا) في حرف الألف اللينة. وينظر شرح ابن عقيل 2: 329. والبيتانِ يُنسَبان إلَى رؤبة بن العجاج، وقال ابن بري: هما لأعرابيٍّ قَدِمَ من سفرٍ فَوَجَدَ امرأتَهُ وَضَعَتْ فَأنَكرَهُ.