فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبكِ عَينُكَ إنَّما نُحاولُ مُلكًا أو نَمُوتَ فَنُعذَرَا [1]
فَنَصَبَ آخِرَهُ، ورَفَعَ"نُحاوِلَ"علَى معنَى"إلَّا"أو"حتَّى". وفي إحدى القِراءتينِ: (تُقاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا) . [2] وقال الشاعر: (من البسيط)
لا أَستَطِيعُ نُزُوعًا عَن مَودَّتِها أَو يَصنَعَ الحُبُّ بِي غَيرَ الَّذِي صَنَعَا [3]
وأَنْتَ قائِلٌ فِي الكَلامِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم أَقتُلْكَ أو تَسبِقَنِي فِي الأرضِ. فتنصبَ"تَسبِقَني"وتَجزِمُها. كأنَّ الجزمَ في جوازهِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم يَكُنْ أَحَدُ هذَيْنِ، والنَّصبُ على أنَّ آخرَهُ مُنقَطِعٌ عن أَوَّلِهِ، كما قالُوا: ل يَسَعُنِي شَيءٌ ويَضِيقَ عنكَ، فلم يَصلُحْ أنْ تَرُدَّ"لا"، على"ويَضِيقَ"، فَعُلِمَ أنَّها مُنقَطعة من معناها. كذلكَ قَولُ العربِ: لَو تُرِكْتَ والأَسَدَ لأَكَلَكَ، لَمَّا جاءَتِ الواو تَردُّ اسمًا على اسمٍ قَبلَهُ، وقَبُحَ أنْ تَردَّ الفِعلَ الَّذِي رَفَعَ الأوَّلَ على الثاني نصبَ، ألا ترى أنَّكَ لا تَقُولُ: لَو تُرِكْتَ والأَسدُ لأَكَلَكَ. فمن ها هنا أتاهُ النَّصبُ، وجَازَ الرَّفعُ، لأنَّ الوَاوَ حَرفُ نَسَقٍ مَعرُوفٌ، فَجَازَ فِيهِ الوَجهَانِ لِلعِلَّتَيْنِ. [4]
قوله تعالى: (لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ علَى أنْ يَأْتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثلِهِ) . [5] جواب"لَئِنْ"هو"لا يَأتونَ". والعرَبُ إذا أجابَتْ"لَئِنْ"بـ"لا"جعلُوا ما بَعدَها رَفعًا، لأنَّ"لَئِنْ"كَاليَمِينِ، وجوابُ اليَمِينِ بـ"لا"مرفوع. وربّما جَزَمَ الشَّاعرُ، لأنَّ"لَئِنْ"الَّتي يُجازَى بِها زِيدَتْ علَيها لامٌ، فَوَجَّهَ الفِعلَ فِيها إلَى"فَعَل"، ولو أتَى بـ"يَفعَل"لجازَ جَزمُهُ. وقد جَزَمَ بَعضُ الشُّعَراءِ بـ"لَئِنْ"، وبَعضُهُم بـ"لا"الَّتِي هِيَ جَوابُها [6] . قَالَ الأَعشَى: (من البسيط)
(1) ديوان امرئ القيس، ص 32.
(2) الآية 16 من سورة الفتح. وهذه قراءة شاذة. قرأها أُبَي وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط 8: 94.
(3) معاني القرآن 2: 71.
(4) معاني القرآن 2: 71.
(5) الآية 88 من سورة الإسراء.
(6) معاني القرآن 2: 130 - 131، وينظر 1: 66 - 68.