الصفحة 17 من 29

والمعنَى أي: مِمَّنْ أَظهَرَ الإيمانَ لَمَنْ يُبطِئُ عنِ القِتالِ، يُقالُ: قَد أَبطَأَ الرُّجُلُ وبَطُؤَ بِمعنَى أبطَأ تأَخَّرَ، ومعنى بَطُؤَ ثَقُلَ إبطاءً وبُطْئًا [1] .

فالَّلامُ الأُولَى الَّتي فِي"لَمَنْ"لامُ"إنْ"، والَّلامُ الَّتِي فِي"لَيُبَطَّئَنَ"هِيَ لامُ القَسَمِ، و"مَنْ"مَوصُولَةٌ بِالجالِبِ للقَسَمِ، كأنَّ هذا لَو كَانَ كَلامًا لَقُلْتَ: إنْ مِنكُم لَمَنْ أَحلِفُ واللهِ لَيُبَطِّئَنَّ، والنَّحويُونَ يُجمِعُونَ علَى أنَّ"مَنْ"و"مَا"و"الَّذِي"لا يُوصَلْنَ بِالأمرِ والنَّهيِ إلَّا بِما يُضمَرُ مَعَهَا مِنْ ذِكرٍ الخَبَرِ أي: صِلةُ المَوصُولِ لا تَكونُ طَلَبًا، فإذا وَقَعَتْ كَذلِكَ قُدِّرَ لَهَا جُملَةٌ خَبَرِيَّة، كَمَا قُدِّرَ هُنا الفِعلُ"أَحلِفُ"وكَذلِكَ صِلةُ المَوصُولِ، وأنَّ لامَ القَسَمِ إذا جَاءَتْ مَعَ هذِهِ الحُرُوفِ فَلَفظُ القَسَمِ وما أَشبَهَ لَفظُهُ مُضمَرٌ مَعَهَا.

وقَولُهُ تَعالَى: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ) . [2] صَارَ قَولُهُ -عزَّ وجلَّ: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمِينًا، كَمَا تَقُولُ: حَلفِي لَأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي لَأَضْرِبَنَّكَ. وكُلُّ فِعلِ كَانَ كَتَأوِيلِ بَلَغَنِي، وقِيلَ لِي، وانتَهَى إلَيَّ، فَإنَّ"الَّلامَ وأنْ"تَصلُحانِ فِيهِ. فَتَقُولُ: قَدْ بَدَا لِي لأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي أنْ أَضرِبَكَ. فَلَو كانَ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنْ يَملأَ، كَانَ صَوابًا، وكَذلِكَ: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعدِ ما رَأَوا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) [3] ، ولو كانَ: أنْ يَسجُنُوهُ، كانَ صَوَابَا [4] .

تعليق ومقارنة:

امتازَ القَصَصُ القُرآنيُّ هُنا بِأُسلُوبٍ مُتفرِّدٍ في عَرضِهِ لِأُسلُوبِ القَسَمِ، فهذِهِ التراكيبُ التي استُعملَتْ في القَسَمِ إنَّما جاءت لبيانِ معانٍ تَشتَمِلُ علَيها دُونَ غيرِها، فَقَولُ اللهِ، سُبحانَهُ: وتَمَّتْ: الواوُ حَسَبُ ما قَبلَها. وتَمَّتْ: فعلٌ ماضٍ، وكلِمةُ: فاعِلٌ مَرفُوعٌ، وربِّ: مُضافٌ إلَيهِ، والكافُ ضَميرٌ

(1) لسان العرب مادة:"بطؤ".

(2) الآية 119 من سورة هود.

(3) الآية 35 من سورة يوسف.

(4) معاني القرآن 2: 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت