الصفحة 6 من 29

المَبحَثُ الأوَّلُ

مقدمة:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ على المبعُوثِ رحمة للعالَمِينَ سيِّدنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وبعد:

القَسَمُ مِنَ الأَسالِيبِ النَّحويَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في لُغةِ العربِ، كما أنَّهُ ذُكِرَ فِي كُتُبِ النُّحاةِ كَثيرًا قَدِيمًا وحدِيثًا، وكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِنايةِ والاهتِمامِ عِندَهُم، فَهُوَ مِنَ الأَساليبِ الخَبرِيَّةِ الَّتي تُفِيدُ التوَّكِيدَ والتَّبيينَ، ويَأتِي مُفَصِّلًا ومُؤكِّدًا أَيضًا.

فَفِيهِ جُملَتا القَسَمِ وجَوابُ القَسَمِ الَّلتانِ تَتَنزَّلانِ مَنزلةَ الجُملَةِ الواحِدةِ فِي السَّبكِ والكَلامِ، فَحُصُولُ الأوَّلِ سَبَبٌ لِحصُولِ الثَّانِي، فَالتَّرابُطُ بَينَهُما مَعنَوِيٌّ لا يَنفَصِلُ، والقَسَمُ خَبريٌّ يحتَمِلُ الصِّدقَ أو الكَذِبَ، والغَرضُ من القَسَمِ هُوَ تَوكِيدُ ما يُقسَمُ علَيهِ من نفيٍ أو إثباتٍ، وإظهارُ قِيمةِ الترَّكيبِ الَّذِي يشتَمِلُ على القسَمِ، وبيانُ أَثَرهِ في بِناءِ الجُملةِ العَربيَّةِ. وهُوَ يَشتَمِلُ علَى الجُملةِ الاسمِيَّةِ والجُملَةِ الفِعلِيَّة علَى حدٍّ سَواء.

وجاءَتْ هذِهِ الدِّراسةُ علَى مَواضعِ القَسَمِ الَّتِي ذُكِرَت فِي مَعانِي القُرآنِ للفرَّاء (ت 207 هـ) ، وهو رأس مدرسة الكوفةِ في زمانِهِ بعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ (ت 189 هـ) ، فهذا السِّفْرُ العَظِيمُ يَستَحقُّ منَّا التَّأَمُّلَ والدَّرسَ، وهو يُعنَى بِما يُشكِلُ في القُرآنِ، ويَحتاجُ إلَى التَّأمُّلِ فِي فَهمِهِ، فهوَ يَحوي أُصُولًا فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والأَدبِ والقِراءاتِ، كيفَ لا؟! ومؤلِّفُهُ بحرٌ في اللغةِ، ونَسيجُ عَصرِهِ فِي النَّحو، وأستاذٌ عَرَفَ أُصُولَ العِلمِ وفُرُوعَهُ، وخَبِيرٌ بِالطِّبِّ، وبأيَّامِ العَربِ وأَشعارِها.

وَصْفُ كتابِ معانِي القرآنِ:

يُعَدُّ كِتابُ (معاني القرآن) لِلفرَّاء دِراسَةً مُكمِلةً مِنَ النَّاحِيةِ اللغويَّةِ لِكِتابِ (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) ، لأنَّهُ يَبحثُ فِي التراكِيبِ والإعرابِ، وكتاب (المجاز) فِي الغَريبِ والمجازِ، وكِلتا الدِّراسَتَيْنِ مُتَعلِّقتانِ بِالأُسلُوبِ، واختَلَفَتْ دِراسةُ الفَرَّاءِ هنا عن دراسةِ أبي عُبيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت