المَبحَثُ الثَّاني
تحليلُ مسائِلِ القَسَمِ وتوجِيهاتُ الفرَّاء لها:
قَالَ تَعالَى: (ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) [1] . فـ"مَنْ"فِي مَوضِعِ رَفعٍ مُبتَدأٌ، وهِيَ جزاءٌ. لأنَّ العَربَ إذا أحدَثَتْ علَى الجزاءِ هذِهِ اللَّامَ صيَّرُوا فِعلَهُ علَى جِهةِ"فَعَل"، ولا يَكادُونَ يَجعَلُونَهُ علَى"يَفعَل"كَراهةَ أنْ يَحدُثَ علَى الجزاءِ حادِثٌ، وهُو مَجزومٌ. وقد وَقَعَ ما قبلَها علَيها، فَصَرَفُوا الفِعلَ إلَى فَعَل، لأنَّ الجزمَ لا يَستَبِينُ في"فَعَل"، فصيَّرُوا حُدُوثَ الَّلامِ، ثمَّ صَيَّرُوا جَوابَ الجَزاءِ بِما تُلقِي بِهِ اليَمِينُ - يُرِيدُ تَستَقبِلُ بِهِ- إمَّا بـ"لامٍ"، وإمَّا بـ"لا"، وإمَّا بـ"إنَّ"، وإمَّا بـ"ما"، فتقولُ في"ما": لَئِنْ أَتَيْتَنِي ما ذلِكَ لَكَ بِضائِعٍ، وفي"إنَّ": لَئِنْ أَتَيْتَنِي إنَّ ذلِكَ لَمَشكُورٌ لَكَ، وفي"لا"، وفي"اللام"قوله تعالى: (لَئِنْ أُخرِجُوا لا يَخرجُونَ مَعَهُم، ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُم، ولَئِنْ نَصَرُوهُم لَيُوَلُّنَّ الأَدبارَ) [2] .
وإنَّما جَعَلُوا جَوابَ الشَرطِ كَجَوابِ القَسَمِ، لأنَّ الَّلامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي قَولِهِ تَعالَى: (ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) إنَّما هِيَ لامُ القَسَمِ، كانَ مَوضِعُها فِي آخِرِ الكَلامِ، فلمَّا صَارَتْ فِي أَوَّلِهِ صَارَتْ كَالقَسَمِ فَأَخَذَتْ الحُكمَ الَّذِي يَأخُذُهُ القَسَمُ.
تعليق ومقارنة:
جَاءَ القَسَمُ في هذِهِ الآيةِ الكريمةِ (ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) واضِحًا، فالَّلامُ للقَسمِ، و"مَنْ"اسمٌ مَوصُولٌ مبتدأٌ، وجملة"اشتَراهُ"صِلةُ المَوصُولِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ فِعليَّةٌ. وجُملَةُ: (ما لَهُ فِي الآخِرةِ مِن خَلاقٍ) مُؤلَّفةٌ مِنْ مُبتَدأٍ وخَبرٍ. وهي واقِعةٌ فِي مَحلِّ رفعِ خَبرٍ للمبتدأ"مَنْ". وجملة: (لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) : في محلِّ نَصبٍ
(1) الآية 102 من سورة البقرة.
(2) الآية 12 من سورة الحشر.