مِنَ النَّفَرِ الَّلائِي الَّذِينَ إذا هُمُ يَهابُ الَّلئامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعقَعُوا [1]
فَجَمَعَ بَينَ"الَّلائِي"، و"الَّذِينَ"، وأحدُهُما مُجزِيءٌ عنِ الآخِرِ.
وأمَّا فِي الأَدواتِ فَقولُهُ: (من الكامل)
ما إنْ رَأَيْتُ ولا سَمِعتُ بِهِ كَاليَومِ طالِيَ أَينُقٍ جُرْبِ [2]
فَجَمَعَ بينَ"ما"وبينَ"إنَّ"، وهما جَحدانِ أَحدُهُما يُجزِي عنِ الآخرِ.
وأمَّا الوَجهُ الآخرُ فإنَّ المعنَى لَو أُفرِدَ بِما لَكَانَ كأنَّ المَنطِقَ فِي نَفسِهِ حَقٌّ لا كَذِبٌ، ولَم يُرَدْ بِهِ ذلِكَ. إنَّما أرادُوا أنَّهُ لَحَقٌّ كما حَقٌّ أنَّ الآدمِيَّ ناطِقٌ [3] .
تعليق ومقارنة:
وفِي أُسلُوبِ القَسَمِ الَّذِي ذَكَرَهُ -سُبحانَهُ وتَعالَى- أَقسَمَ بنفسِهِ، فَالواوُ حرفُ جرٍّ وقَسَمٍ، وربِّ: لفظ الجلالة. اسمٌ مجرورٌ. والجارٌّ والمجرورُ متعلِّقان بِفعلٍ مَحذُوف أُقسِمُ، وجَوابُ القَسَمِ:"أنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكُم لَحَقٌّ مِثلَ ما أنَّكُم تَنطِقُونَ"جُملةُ جوابِ القَسَمِ لا مَحلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ اسميَّةٌ. وهُنا أَمرانِ تَكلَّمَ فِيهِما الفرَّاء، الأوَّل أنَّ العَربَ تَجمَعُ بَينَ المِثلينِ مِن الأسماءِ والأدواتِ وهذا لِلتأكِيدِ، وقَد يَختلِفُ الَّلفظانِ، وهذا ممَّا أَجمَعَ علَيهِ النَّحويُونَ، ولم يَختلِفُوا فِيهِ وعلَّلُوا ذلِكَ تَعلِيلًا حَسَنًا.
والأَمرُ الثَّانِي الَّذِي ذَكرَهُ الفرَّاءُ يَتَعلَّقُ بالمعنى، وذلِكَ أنَّ"ما"إذا وَرَدَتْ فِي الكَلامِ دُونَ"إنْ"فَكَأنَّهُ أكَّدَ المَنطقَ فِي نَفسِهِ حَقٌّ لا كَذِبٌ، والأَصلُ لم يَذهَبْ بهِ هذا المَذهَبَ إنَّما الصَّحِيحُ القولُ: أنَّه لَحقٌّ كَمَا هُو حَقٌّ أنَّ الآدَمِيَ ناطِقٌ.
(1) ينظر خزانة الأدب 2: 532. وفيها:"اعتَزَوا"بدل"هم"، في الشطر الأول، و"هابَ الرجال"بدل"يهابُ الِّلئام."
(2) البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء ينظر شرح شواهد المغني 2: 955.
(3) معاني القرآن 3: 84 - 85.