عن هذا التنعم أغناه عنه، يقول عمر بن الخطاب (دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الثلاجة في العصر الحديث - فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت عيناي قال ما يبكيك يا ابن الخطاب قلت يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفوته وهذه خزانتك فقال يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت بلى) [1] .
وأما الزرابي فهي الفرش و الستائر و السجاجيد، وهي مفرقة في كل مكان يشاهدها أهل الجنة فيتنعمون بمظهرها، ولعل ذلك يذكرنا بعزوة ذات الرقاع، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا [2] ، قال النووي في الشرح (سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت-أي تقرحت- من الحفاء فلفوا عليها الخرق هذا) [3] .
لا شك أنَّ تَفَكُّر المؤمن في هذا النعيم المقيم الذي أعده الله له ليجعله صابرا محتسبا على كل بلاء ابتلي به في الدنيا، فلا يقرعه سجن أو حبس و لا يهزه نفي أو طرد و لا يخيفه قتل أو إعدام، فكلها أمور هينة، و ما أعده الله للمتقين تهيم به الأفئدة و تشرئب له النفوس، فيقين المؤمن بذلك هو الذي جعل عمير بن الحمام يلقي بالتمرات التي كانت في يده ليسعى إلى إرضاء ربه فيجاهد في سبيل الله فيُقتل فيدخل الجنة، يفارق هذه الحياة القصيرة ليخلد في النعيم
(1) رواه مسلم ج 7 ص 441 رقم 2704
(2) رواه البخاري ج 13 ص 31 ص 3816
(3) شرح النووي على مسلم ج 6 ص 128 رقم 841