جلاء ظاهر وواضح وضوح الشمس، وهذا هو مقام الدعوة وليس مقام الدولة، أي قبل بناء الدولة، هكذا فرق الدكتور صلاح سلطان بين الأمرين في خواطره على سورة النمل، حيث لفت الانتباه إلى أن خطاب نبي الله سليمان لملكة سبأ جمع بين أسلوب الداعية تارة وأسلوب رئيس الدولة تارة أخرى، أما في سياق سورة الغاشية وهي سورة مكية فلا يزال المسلمون يباشرون مهام الدعاة فقط، وليس عليهم إقامة حدود الله تعالى بين الناس، وإنما مجرد القول بالحسنى واللين والرفق في المعاملة.
تقتصر الوظيفة الدعوية على التذكير بالله تعالى، والقرآن يدعونا لأن ننتهج نهجه في التذكير بالله تعالى، حيث يكون إصلاح العقيدة بالتفكر في ملكوت الله تعالى، باعتباره كتاب الله تعالى المنظور، وكذلك الدعوة للتفكر في كلام الله تعالى كتاب الله تعالى المقروء، يقول صاحب الظلال (لا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما .. إنه لم يعرضها في صورة"نظرية"! ولم يعرضها في صورة"لاهوت"ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله فيما بعد ما سمي ب"علم التوحيد"أو"علم الكلام"! كلا .. لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة"الإنسان"بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام ; ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ; ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها) .
وهذا النهج لم ينفرد به النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا أمته، إنما هو نهج النبيين من قبله، حيث كان موسى عليه السلام يجابه فرعون لعلة أن يتذكر أو يخشى، قال ربنا لموسى وهارون (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى {طه/43 - 44} ، فلو خلا الرجاء من تذكيره أو احتمال خشيته لما رفقا معه في النصيحة بالرغم من أنه طغى.