ولن يصل الإنسان بفكره إلى ذلك، لكنه مؤمن قطعا بها كما هي، بل ويؤمن كذلك بأن هذه الحقائق العلمية والكونية وبالرغم من أنها تمتد إلى ضروب شتى من العلم والمعرفة لا بد وأن يكون صانعها واحدا، فالإبل تشير إلى علم الإحياء الذي توصل فيه الإنسان إلى الحامض النووي للكائنات الحية، ورغم ذلك لا يقول أحد على الإبل أنها لم تخلق وإن لم يدر كيف خلقت، والسماء ترمز إلى علم الفلك الذي وصل فيه الإنسان إلى القمر والكواكب المجاورة واكتشف من خلاله المجرات والمجموعات الشمسية، ورغم ذلك لا ينكر أحد أن السماء رفعت بكيفية لا يعلمها إلا الله، والجبال ترمز على علم الجيولوجيا، وقد وصل فيه الإنسان إلى مرحلة من العلم أثبتت كيفية نشأة الأرض وأنها كانت مغمورة بالماء ثم ظهرت قطعة يابسة على شكل أشبه بالجبل لكنه مستو في قمته، وبمرور الوقت ارتفع الجبل عن سطح البحر بفعل حركة باطن الأرض ثم بفضل العوامل الجوية والتعرية زاد تسطح الأرض وامتدادها على سطح البحر لتكون قارة كبيرة ثم تنقسم هذه القارة بعد ذلك إلى عدة قارات كما هو مشاهد الآن [1] ، كل ذلك والكل يرى كيف أن الجبال نصب على أرض تحت سطح البحر، وأن معظم حجمها في الجذر تحت الأرض وليس القمة، كما أن الأرض ترمز إلى علم الجغرافيا، ولا يزعم أحد أن الأرض ضيقة ولا تتسع لخلقه سبحانه، فما أنه آمن بهذه الحقائق العلمية كما هي، أفلا يؤمن بالحقيقة الكلية، وهي أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد، لا شريك له ولا ولد، وأن الذي أبدع في خلقه - ولم يدرك الإنسان طرفا من كيفية الخلق سواء للكون في الإحياء أو الفلك أو الجيولوجيا أو الطبيعة - بحري بأن يُنزه عما ينسب إليه من النقص، وألا يُعبد إلا وفق شريعة الإسلام الحق.
قال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ {الغاشية/26}
مهمة الدعاة التذكير وليس السيطرة على الناس
بعد أن أبان القرآن لنا طريق الحق ونقيضه و جزاء أصحابهما في الآخرة و استشهد للحق بالدلائل الكونية كما أسلفنا، هنا يتضح مقام الدعاة إلى الله تعالى، و تبدو للعيان وظيفتهم في
(1) انظر د/ زغلول النجار في نشأة الأرض وتكونها http://www.elnaggarzr.com/index.php?cate=76