كذلك طعامهم مثَّل الله له - سبحانه - بالضريع، و هو نبات ذو شوك لا تقربه الحيوانات لأنه ليس بطعام، ويهلك من يأكله، يقول سبحانه (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا(المزمل /13) ، وهذا كله لون من ألوان العذاب يوم القيامة، وفي ذلك إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم تعبوا في عبادتهم لغير الله تعالى، فضلوا في الدنيا، فهم يشربون و يأكلون يوم القيامة جزاء هذه العبادة، لكن شراب لا يروي الظمأ، و طعام لا يؤكل ولا يسمن ولا يغني من جوع، فكان جزاءهم عدل، حيث قابل عملهم الذي لا يؤجر فاعله بشيء.
قال تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ {الغاشية/8 - 16}
وفي المقابل نجد الوجوه التي سجدت لله تعالى، وبدت عليها آثار السجود، (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ) ، يومئذ - يوم الحساب - تنعم برضا المولى عليها، فلأنها سعت إلى ما يرضي ربها، فقد أرضاها الله تعالى بما سعت إليه نعيما لا يدركه إلا من رضي بالله ربا وبالإسلام ودينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا، هذه الوجوه التي سجدت لربها تنعم يوم القيامة بالنظر لوجه ربها الكريم، يقول ربنا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {القيامة 22/ 23} ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا [1] ، يعني العصر والفجر ثم قرأ جرير {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [20 / طه / الآية
(1) رواه البخاري ج 2 ص 389 رقم 521