صالحا، فيتمنون لو يملكون العودة للدنيا ليعملوا صالحا، بيد أنهم حيل بينهم وبين هذه الأمنية، لأن اليوم جزاء بلا عمل، قال تعالى واصفا خشوعهم وذلهم يوم القيامة وتضرعهم الذي لا يجديهم عندئذ نفعا (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ(السجدة /12) ، أولئك القوم ضلوا وأقروا بضلالهم، ولم يزدهم عملهم ونصبهم يوم القيامة إلا شقاءا، ولم يزدهم دعاءهم إلا تبارا، فيظل حالهم أنهم يتضرعون لله تعالى دون جدوى حتى يخرس الله ألسنتهم، قال سبحانه (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ(المؤمنون/107 - 108) .
تنوعت ألوان العذاب الذي أعده الله تعالى لم ضل سعيه واتخذ غير الله تعالى إلها يعبد، قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ {التوبة/31} ، فعرضت لنا سورة العين الآنية، و الطعام الضريع الذي لا يسمن و لا يغني من جوع، فكان الجزاء من جنس العمل.
فالعين الآنية هي البعيدة عن طالبها، حيث يشتد به العطش فيجد العين بعيدة عنه فيشد عطشا كلما سعى إليها، وليته يجد بغيته عندما يصل إليها فيرتوي من العطش، وإنما هي حميم يشوي الوجوه، قال تعالى (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29/الكهف) ، و يقول سبحانه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4/يونس) ، و هذا الحميم آن بلغ أقصاه من شدة الحر ومنتهاه من الغليان، يقول سبحانه (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ(44/الرحمن) .
الآيتان (6 - 7) قوله تعالى (لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ)