منهما بنون فإن استطعتم أن تكونوا بنى آخرة لا بنى دنيا فافعلوا فإنكم اليوم في دار عمل لا حساب فيها، وغدا في دار حساب لا عمل فيها) [1] .
فيوم القيامة تكلف بالعمل من جديد، لأجل الله وحده، لكنه عمل لا أجر فيه ولا مثوبة، فقد فاتهم العمل في الدنيا لله تعالى حيث الأجر والمثوبة، فمنذ هذه اللحظة يصيبهم الخشوع لله تعالى والعمل والنصب لأجله، فهم في الآخرة يبذلون قدرا من الجهد لأجل العمل فلا يقدرون، لأن الأمر اليوم مختلف، فالعمل يوم القيامة ليس لأجل الجزاء كما كان في الدنيا، وإنما هو في ذاته جزاء، ذلك أنهم يؤدون ما عليهم من دَين لله تعالى، وليتهم يقدرون على الوفاء به، يقول سبحانه (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(القلم/43) ، ففي الحديث أن الله يكشف عن ساقه فيخر كل من كان بظهره طبق ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطعيون وقد كان يدعون إلى السجود وهم سالمون) [2] ، وتخصيص الوجوه بالعذاب مجاز مرسل علاقته الجزئية، فهم يعذبون بأجسادهم كلها، ولعل هذا التخصيص للدلالة على أن عبادتهم خلت من السجود، فكأن استكبارهم عن السجود لله تعالى وفقا لشريعة الإسلام هو ما أحل وجوههم في النار لتغشاها.
وقد صور القرآن تضرعهم لله تعالى يوم القيامة بالرغم من أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك في الحياة الدنيا، أو كانوا يتضرعون لغير الله تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(فاطر/37) ، فهم يتبرءون مما كانوا يعملون في الحياة الدنيا، ويقرون بأن عملهم لم يكن
(1) جلال الدين السيوطي - جامع الأحاديث ج 13 ص 13 رقم 12437
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 9 ص 357 رقم 9784 وصححه الألباني: صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 227 رقم 3591