وهكذا يبين القرآن لأصحاب الدعوات منهجهم في التذكير بالله تعالى، فهم مذكرون لقومهم و ليسوا مسيطرين عليهم، وكثيرا ما نجد أناس يظنون أن الإصلاح بتغيير القوى الظالمة الحاكمة و استبدال أهل الحق بهم عن طريق حركة انقلابية تسيطر على زمام الأمور، بيد أن الإسلام ينفي ذلك و ينأى عن الدعاة إلى الله تعالى أن يفكروا هذا الفكر و يشغلوا أنفسهم بهذا الطريق، إذ السيطرة ليست وظيفتهم و ليست من متطلباتها، فهم مذكرون وليسوا مسيطرين.
والتمكين في الأرض وإن كان مما وعد الله به الذين آمنوا، فإنه كذلك لا يعني السيطرة على الآخرين، فلا يتسلط المسلمون على غير ملتهم فيحملونهم على دينهم قهرا، كل ما في الأمر هو تطبيق حدود الله تعالى على الذين ظلموا، مثلما فعل ذو القرنين، قال سبحانه (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ .. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * .... قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا {الكهف/84 - 87} ، فأشارت الآية إلى عذابين أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة، يقول الشيخ الشعراوي (العقوبات الدنيوية شُرعَتْ لحفظ توازن المجتمع، ورَدْع مَنْ لا يرتدع بالموعظة، وإلا فما فائدة الموعظة في غير المؤمن؟ لذلك نرى الأمم التي لا تؤمن بإله، ولا بالقيامة والآخرة تُشرِّع هذه العقوبات الدنيوية لتستقيم أوضاعها، وبعد عذاب الدنيا وعقوبتها هناك عذاب أشدّ في الآخرة {عَذَابًا نُّكْرًا} [الكهف: 87] [1] ، وليس للمسلمين ذلك إلا بعد أن يصلوا لمرحلة التمكين في الأرض، فإن لم يصلوا إليها بكل شرائطها وأسبابها فلا يسوغ لهم التسلط على الناس، لا يحق لهم إقامة الحدود عليهم طالما أنهم في إطار الدعوة وليس في إطار الدولة، وهذا النهج هو ما التزمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة المكية، ولم يقم باغتيال لسادات قريش ولا الانتقام ممن عذب أصحابه، ولم يحطم الأصنام حول الكعبة، كل ما في الأمر هو الدعوة بالحسنى لقومه وعشيرته، وتحمل أذاهم، قال سبحانه (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ {الجاثية/14} .
(1) خواطر الشعراوي ص 5470 - دار الأخبار