الصفحة 28 من 46

بمختلف الوسائل التي تَنتَشِر بها الأديان في سائرِ الأزمان، ولا يَخْفَى على قارئ يطَّلع على هذه المباحِث أنْ يُلاحظ نُفورَ أصحاب الإحصائيات مِن زيادة عددِ المسلمين، وإسراعهم إلى قَبُول التقديرات التي تَزيد في عددِ أبناء الممالِك من غير المسلمين، مع تحفُّظهم الشديد في قَبول التقديرات التي تُكثِّر من عدد الداخلين في الإسلام قديمًا وحديثًا، ولا يشذُّون عن هذه القاعِدة إلا إذا تَعمَّدوا التهويلَ والتنبيهَ إلى خطَرِ انتشار الإسلام في المستقبل، وضرورةِ المبادرة إلى اتِّخاذ الحَيْطة لهذا الخَطَر، بوسائلِ التبشير، والضغْط السِّياسي والاقتصادي؛ حيث يُستطاعُ الاعتماد على هذه الوسائل بغيْر الالْتجاء إلى المجاهَرَة بالعدوان، وممَّن لاحظ تلك الأخطاءَ المتعمَّدة في إحْصاء المسلمين الأميرُ شكيب أرسلان صاحِب التعليقات على كتاب"حاضِر العالَم الإسلامي".

ثم يقول الأستاذ العقَّاد: فلا مُبالغةَ إذا قدَّرْنا عددَ المسلمين في العالَم بأربعمائةٍ وخمسين مليونًا، وأيقنَّا على الدوام بأنَّ عددَهم يزيد في كلِّ حِقبة على كلِّ تقدير أوروبي يُذيعه الساسةُ والباحثون في شؤون الدعوات الدِّينيَّة، وإنَّ زيادةَ هذا العدد مستمرَّة، يقابلها أولئك الساسةُ والباحِثون بالحَذَر، ويذكرونها منذرِين لأقوامهم بما يستفزُّهم إلى الحَيْطة، ومقاومةِ هذا الازديادِ المستمر؛ حيث تُستطاعُ المقاومة في الخفَاءِ، وفي العلانية إنْ لم يكن لهم بُدٌّ منها.

والأستاذ العقَّاد مِن أعلم الناس بالمبشِّرين والمستعمِرين، ومِن أكثرهم اطِّلاعًا وخبرة، وهو بَعْدُ ليس معاديًا للغرْب لمجرَّد العداء، وليس له ميولٌ شيوعيَّة حتى يُقال: إنَّه يتحامَل على الدُّول المسيحيَّة، بل إنَّه من أشدِّ الناس عداءً للشيوعية وحرْبًا عليها، ولكنَّ العقَّاد قال الحقيقة التي قالها غيرُه من ذوي الخِبرة بحال المستعمرين.

يقول الدكتورُ عمر فروخ، ومصطفى الخالدي في كتابهما"التبشير والاستعمار في البلاد العربية": ومن المبشِّرين نَفَرٌ يشتغلون بالآداب العربيَّة، والعلوم الإسلاميَّة، أو يستخدمون غيرَهم في سبيل ذلك، ثم يدْفعون هؤلاء إلى أن يُوازِنوا بيْن الآداب العربية والآداب الأجنبية، أو بيْن العلوم الإسلامية والعلوم الغربية، التي يعتبرونها نصرانيَّةً؛ لأنَّ أُمم الغرب تَدين بالنصرانية؛ ليخرجوا دائمًا بتفضيلِ الآداب الغربيَّة على الآداب العربية والإسلاميَّة، وبالتالي إلى أبرز نواحِي النشاط الثقافي في الغرْب، وتفضيلها على أمثالِها في تاريخ العرب والإسلام، وما غايتُهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت