لقد عرَف المبشِّرون والمستعمِرون أنَّ القرآن يحتلُّ في نفوس المسلمين أسْمى مكانة، وأعْلى منزلة، وأنهم يرخصون النفْسَ والنفيسَ دونه، ورأَى المبشِّرون أنَّ أكبرَ عقبةٍ تصادفهم هو القرآن، فحاولوا - عبثًا - أن ينزعوا القرآنَ مِن قلوب الناس، ويُبعِدوه عن أيديهم، ولكنَّ جهودهم ذهبتْ أدراج الرياح:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا = فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
لقد تكفَّل الله بحِفْظ هذا القرآن، وإذا علِمْنا ما يتمنَّاه المبشِّرون من أحلام سخيفة، فإنَّ ذلك لن يَزيدنا إلا تمسكًا وثِقةً بأنَّ هذه التخرُّصات لا قيمةَ لها، وأنَّ ما يدَّعونه من مطاعنَ في القرآن والرسول، إنما هي بدافعِ الجهلِ والتعصُّب.
يقول وليم جيفورد: متى توارَى القرآن ومدينة مكَّة عن بلادِ العَرَب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرَّج في سبيل حضارتنا، التي لم يُبعدْها عنه إلا محمَّدٌ وكتابُه.
ويقول المبشِّر جون تآكلي عن المسلمين: يجب أن نستخدمَ كتابهم - يعني: القرآن - وهو أمْضى سلاح في الإسلام ضدَّ الإسلام نفسه؛ لنقضيَ عليه تمامًا، يجب أن نُرِي هؤلاء الناس أنَّ الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأنَّ الجديد فيه ليس صحيحًا.
ويقول المبشر الأمريكي جسب: إنَّ الإسلام مبنيٌّ على الأحاديث أكثرَ مما هو مبنيٌّ على القرآن، ولكنَّنا إذا حذفْنا الأحاديث الكاذِبة لم يبقَ من الإسلام شيء!
ويقول ف. ج. هاربر: إنَّ محمدًا كان في الحقيقة عابدَ أصنام؛ ذلك لأنَّ إدراكه لله في الواقع (كاريكاتور) !
ويقول المستشرق اليهودي جولد تسيهر: ومِن العسير أن نستخلصَ من القرآن نفسه مذهبًا عقديًّا موحدًا متجانسًا، وخاليًا مِن المتناقضات، ولم يصلْنا من المعارف الدِّينيَّة الأكثر أهميةً وخطرًا إلا آثارٌ عامَّة، نجد فيها إذا بحثْنا في تفاصيلها أحيانًا تعاليمَ متناقضة، ورسالة النبيِّ الدِّينية تنعكس في رُوحه بألوانٍ مختلفة باختلاف الاستعدادات السائِدة في نفسه؛ إذ كان لزامًا على عِلم الكلام المنسَّق أن يتولَّى منذ أوَّل الأمْر حَلَّ الصعوبات النظريَّة الناشِئة عن مِثْل هذه المتناقضات.