وقد يكون مِنَ السهل أن يُنصِف الغربيُّون في مؤلَّفاتهم وصحافتهم كلَّ الطوائف، ويَتجرَّدوا من الأغراض السيِّئة، وإنَّ هذا يحدُث كثيرًا، ولكن الأمر يختلِف بالنسبة للإسلام والمسلمين فِيما يكتبونه عنهم، وهذا التعصُّبُ يدفعهم إلى قلْبِ الحقائق، وتشويهِ الوقائع، والتقليلِ مِن أهمية المسلمين، وإظهارهم بالمظهر المُزْري، وتَضخيم النقائص، وهذا واضحٌ لكلِّ مَن تأمَّل ما يكتبونه.
وإذا عُرِف السبب، بطَل العَجَب؛ يقول الأستاذ محمَّد أسد - الذي هداه الله للإسلام: إنَّ كُرْهَ الأوربيين للإسلامِ كُرهٌ عميقُ الجذور، يقوم في الأكثرِ على التعصُّب الشديد، وهذا الكُره ليس عقليًّا فحسْبُ، ولكنَّه يصطبغ بصِبغة عاطفية شديدة، وقويَّة وعنيفة، وقد لا تتقبَّل أوربا تعاليمَ الفلسفة البُوذية أو الهندوسية مثلًا، ولكنَّها تحتفظ دائمًا فيما يتعلَّق بهذَيْن المذهبين بموقِف عقلي متَّزن، ورصين وحكيم، ومبنيٍّ على التفكير، وخلق الأعذار لأصحابِ هذه المذاهب الوثنية، إلاَّ إنَّهم حين يتَّجهون إلى الإسلام، يختَلُّ عندَهم التوازن، ويأخذُهم المَيْلُ العاطفي، حتى إنَّ أبرز المستشرقين جعَلوا من أنفسهم فريسةَ التحزب غيرِ العِلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميعِ بُحوثهم - على الأكثرِ - كما لو أنَّ الإسلام لا يُمكن أن يُعالَج على أنَّه موضوعُ بحث في البحْث العلمي، بل على أنَّه مُتَّهم يقِف أمامَ قُضاته!
وهذا الذي يقوله الأستاذ محمَّد أسد، قد قاله كثيرٌ من الفاهِمين والسابرين لكتابات المستشرقين؛ يقول العقاد في كتابه"ما يقال عن الإسلام": فإنَّ هؤلاء المبشِّرين المنحرِفين مهَرةٌ في فنون الدعاية، مدرَّبون على تمويهِ الواقِع، وتلبيس الحقِّ بالباطل، فلا يَشُقُّ على عقولهم، ولا على ضمائرهم أن يَعرِضوا أحوالَ الأُمم الإسلامية على الصورة التي تُنفِرُّ الناس منها، ولا سيَّما المتعصِّبين المستعدِّين للنُّفرة، والراغبين في اختلاقِها، ولا نبالغ في التقدير إذا قُلنا: إنَّ تسعةَ أعشار المبشِّرين المحترِفين في العصْر الحاضر من هذا القبيل.
ويقول الأستاذ العقاد في كتابه"ما يقال عن الإسلام"أيضًا: ويتَّصلُ بأمْر الدعوة كلُّ مبْحث يتناول صلاحَ الإسلام للشيوع والإقناع، وما يُنتظر مِن زيادة عددِ المسلمين في المستقبل،