كان والده فرج يعمل في أحد مصانع السيارات في المدينة، قبل أن يتم تسريحه من العمل مع جميع الموظفين بعدما نقل مالكو المصنع مقره إلى بلد آخر، اليد العاملة فيه أرخص، ولم يراع هؤلاء ظروف أهل القرية، الذين عملوا معهم لعشرات السنين، وكانوا سببا في نجاحهم، ومضاعفة ثرواتهم. وهكذا أصبح كلّ عمال ذلك المصنع من سكان القرية، وفرج واحد منهم، عاطلين عن العمل. ولهذا لم يكن في وسعه تأمين ثمن العلاج لابنه وجدي.
طرقَ جارهم الطيب سالم الباب، وقد جاء للاطمئنان على صحة الصبي، فاستقبله فرج وابتدره بالتحية قائلا بنبرة حزينة:
-أهلا بالجار العزيز، كيف حالك؟.
-بل أنت كيف حالك يا فرج؟ وكيف حال وجدي؟ أرجو أن تكون صحته قد تحسنت.
-للأسف، لم يطرأ أي تحسن عليه. ونحن عاجزون عن علاجه رغم أننا طرقنا كل الأبواب وأخذنا بجميع الأسباب ولم نألُ جهدا في ذلك، ولم يبق لنا إلا رحمة الله. ومطيعة في طريقها الآن إلى أخيها راضي، الذي لم تره منذ أكثر من عشرين عامًا، كمحاولة أخيرة .. لعله يساعدنا في علاج وجدي. وعلى الرغم من أنني لا أرى جدوى من ذهابها إليه، إلا أني أذنت لها بذلك فقط لاستنفاد كل المجالات الأخرى.
قال سالم:
-كان الله في عونكما. وأنا مثلك أشكّ في أن راضي سيقدّم أي مساعدة، فالجميع يعرفون أنه متغطرس، ومصاب بجنون العظمة ولا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا ً، وقد طبق َ صيته ُ السيّء الآفاق رغم أنه أصبح عميدا لجامعة المدينة. ومع ذلك فلنتضرع إلى الله أن يلين َ قلبه.
ثم انحنى وقبل وجدي ووضع يده على رأسه:"اللهم ربّ الناس أذهب البأس أشفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما".