الصفحة 23 من 122

كيف كان يغضب منها أحيانًا عندما كانت تعبث بكتبه المدرسية ودفاتره، وأغراضه الشخصية .. وأراد أن يقارن صورتها التي في ذهنه بالتي رآها أمام البوابة .. الصورتان مختلفتان تماما .. فقد كانت جميلة، ومرحة، تتدفق حيوية ونضارة، ولكن المرأة التي رآها قبل قليل تبدو هزيلة كئيبة، كأنها في في أواسط العقد الخامس من عمرها. تركها طفلة ولم يرها منذ ذلك الحين، ولكن رغم ذلك لم تغادر صورتها الجميلة خياله .. وهذه المرأة غيرت الصورة القديمة ومحتها تماما.

هز رأسه متحسرا .. وتنهد بلوعة .. كأنه يريد أن يفيق من الحلم، ويواجه الواقع .. وهو يفكر في طريقة للخروج من هذا المأزق الذي لم يكن في الحسبان .. ويا للقدر! .. لِمَ جاءت في هذا اليوم بالذات؟ فاليوم سيزورني وزير التعليم .. ولطالما انتظرت هذه الزيارة .. وهو يوم مهم لمستقبلي الوظيفي .. ثم ماذا سأقول له لو جاء ووجدها معي؟ وكيف سيكون رد فعله إذا علم بأنها أختي؟ .. انقطع عن التفكير لحظة ثم استدرك، وقال في نفسه: لا بد من أن أتصرف وأتخلص منها في هدوء قبل أن يصل الوزير .. ودون أن ألفت الأنظار.

وصلت مطيعة إلى المكتب فقامت إليها السكرتيرة مباشرة، ونظرت إليها مليًّا وهي في غاية الدهشة. كيف يسمح لامرأة كهذه بالدخول إلى مكتبه؟؟ جالت الخواطر في ذهنها سريعًا، وقالت في نفسها: لا بد من أن في الأمر سرًّا، ولكنها لم ترسل العنان لتفكيرها واكتفت بقولها لها:

-تفضلي بالدخول .. العميد بانتظارك.

طرقت السكرتيرة باب مكتبه، وأدخلتها عليه، فقطعت عليه حبل أفكاره وخواطره. قام مسرعا من كرسيه، وأغلق الباب بإحكام بعد خروج السكرتيرة من مكتبه.

فتحت ذراعيها وتقدمت إليه لتحتضنه، فدفعها بقوة وصرخ في وجهها:

-ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟

أجهشت بالبكاء، وقالت بحزن شديد والعبرة تخنقها:

-ابني مريض جدا يا أخي، إنه يموت، أرجوك ساعدنا في إنقاذه.

-لا تناديني بأخي .. فأنا أكره أن أسمع هذه الكلمة منك ِ .. ثم ما علاقتي بالموضوع؟ يموت ابنكِ أو لا يموت .. هذا الأمر لا يعنيني.

-أحتاج مساعدتك يا أخي لإنقاذه، فنحن فقراء وليس لدينا ثمن العلاج.

-ألم أقل لك ِ لا تناديني بأخي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت