-أرجوك .. أرجوك أقبّل يديك أقبّل رجليك ساعدني .. يا أخي.
-لست أخًا لك، كما أنه لا يشرفني أن تكون لي أخت مثلك، فأنا لا علاقة لي بك ولا بابنك. فارقتكم منذ أكثر من عشرين سنة وقد نسيت الماضي، ونسيت كل ما يربطني بكم، وغيرت نمط حياتي، كما أني لا أريد أن أراك، أو أرى أي شيء يذكرني بكم.
ثم قال لها بصوت خافت:
-إني أحذرك من القدوم إلى هنا مرة أخرى وإياك ِ ثم إياك ِ أن تقولي لأي شخص في الجامعة أنك أختي، أو أنه تربطني بك ِ أيّ علاقة، وإلا ّ سأضطر إلى التصرف معك على نحو صارم. الآن أخرجي من هنا بسرعة وبهدوء، ولا أريد أن أراك مرة أخرى.
خرجت من المكتب متثاقلة والدموع تنهمر على وجنتيها، ويكاد الألم يمزق قلبها. أغلقت الباب وراءها، ووقفت تنظر إليه، وكأنها منهمكة في التفكير في أمر جلل. سألتها السكرتيرة الشابة مندهشة:
-ما بك ِ؟ أتريدين مساعدة؟
لم تجبها، وغادرت المكتب يائسة وقد أظلمت الدنيا في عينيها. لقد اغتال أخوها أملها الأخيرَ في إنقاذ فلذة كبدها. لم تكترث بسوء مقابلته لها على الرغم من قسوته، فأمرُ ابنها كان يملأ قلبها وليس فيه فراغ لأيّ أمر آخر.
دخلت السكرتيرة إلى مكتب راضي ووجدته متجهما فسألته:
-ما بك ِ يا سيدي .. هل أنت بخير؟
-لا .. لا، لا شيء، أعطني الملف وجهزي قاعة الاجتماع، فالوزير قد يصل في أية لحظة.
-حاضر سيدي، على فكرة لقد أثارت هذه المرأة المسكينة في قلبي الشفقة والرحمة، وعندي شعور أن وراءها قصة حزينة، فهل تعرفها؟
-لا أعرفها، وهي مجرد متسولة طلبت مني أن أساعدها، ولكني غضبت من طريقتها في التسول.
-لا عليك يا سيدي.
سكتت برهة وهي تمعن النظر في وجهه.
قال لها مستغربا:
-ما بك .. لمَ تنظرين إليَّ هكذا؟
حركت رأسها متعجبة، ثم قالت: