مرَّت الأيامُ بطيئة، وسهل يتعرّض لصنوف مختلفة من التعذيب، من كلاب مدَرَّبة تفلتُ عليه لتعضّ يديْه أو قدميْه وهي تزمجر ولا تسحبُ عنه إلا بعد أن تدمى يداه أو قدماه، أو رَبط يديه وقدميْه إلى بعضها بعضًا خلف ظهره بحبل يرفعونه من خلاله إلى سقف الغرفة ويتركونه مدَلىً على ذلك النحو عدّة ساعات بحيث يشعر أن عضلات بطنه قد تمزّقتْ، أو بإحكام وثاقه إلى كرسيّ والتناوب على لكمه بعنف كلما وَسنَ من فرط الإعياء حتى يسقط به الكرسيُّ على الأرض، أو جلدِه إلى أن يتقرّح جسمهُ ثم سكب ماء شديد الملوحة على جروحه الملتهبة.
ولم يكد يمضي أسبوعان على هذا المنوال حتى خارت قواه وهزُلَ وشحبَ لونه، وصار أقرب إلى الموت منه إلى الحياة.
وذات صباح ٍ طلب ضابط التحقيق إحضاره إليه مرة أخرى .. فأدخلوه عليه وقد تغير شكله .. وانتفخ وجهه .. وازرقّ الجلدُ حول عينيه ونقص وزنه .. فقال له بصوت هادئ يحمل نبرة التعاطف:
-أما زلتَ مصرًّا على عنادك أيها الأحمق؟ .. اسمعني جيدًا .. فأنا مشفق عليك ولا أريد أن أؤذيكَ، وكلّ ما تعرّضتَ له حتى الآن تمهيد ٌ لما هو أعظم، وهذه فرصتك الأخيرة إن كنتَ فعلا تريد الراحة والعودة إلى حياتك الطبيعية.
ردّ سهل بصوت واهن ٍ كأنه قادم ٌ من أعماق بئر سحيقة:
-سيدي ارحمني أرجوك .. أقسم بالله العظيم أنني لا أنتمي إلى أية عصابة، وأنني بريء فعلًا، وأنني فعلًا لا أعرف شيئًا عما تودّ معرفته ...
وقف الضابط وضرب الطاولة بقوة بقبضة يده وصاح بأعلى صوته:
-لماذا أحضرتم هذا المعتوه إليَّ قبل أن يعترف؟؟ ألمْ أقل لكم أنني لا أريد أن أراه ثانية ً إلا لسماع اعترافه؟؟ خذوه إلى زنزانة الماء.
دفعه رجال الأمن أمامهم وهم يكيلون له الشتائم واللكمات إلى أن وصلوا إلى حفرة ذات جدران إسمنتية ملساء بعمق مترين وبمساحة لا تزيد عن متر مرَبعٍ فأنزلوه فيها، وكانت مملوءة بماء آسن رائحتة كريهة للغاية .. ويصل منسوب الماء إلى فخذيه.
في صباح اليوم التالي دخل عليه اثنان من رجال الأمن فوجداه يوشك أن يسقط في الماء وهو يرتجف من شدّة البرد ويمسك بالحائط.
سأله أحدهما ساخرًا:
-هل ما زلت مصرًا على عنادك؟