الصفحة 41 من 122

وصلت إليه الرسالة، عن طريق البريد، في وقت كان فيه كئيبا حزينا، إذ كان قد استلم قبلها رسالة من المحكمة تقضي بإتمام إجراءات الطلاق بينه وبين زوجته سحر، وجاءت هذه الرسالة من أخته لتزيده حزنا على حزنه، وهمّا على همّه. فما إن قرأها حتى دارت به الدنيا وأظلمت في عينيه، وأحس بصدمة، فانتفض قلبه على أثر ذلك، ودبت فيه الحياة من جديد، فدمعت عيناه ولم يلبث أن أطلق العنان لدموعه فلطالما أمسكها في الأيام الخوالي، وقد آن الأوان لإطلاق سراحها، كي تنهمر.

كان عندما يرق ضميره أو يلين قلبه، تزجره نفسه بشدة:"لا تكن ضعيفا، أنت شخصية كبيرة، أنت معادلة صعبة في البلاد، وإذا كنت لينًا رقيق القلب، فلن تحقق طموحاتك، ولن ترضي سادتك، ولن تلبي رغباتي ورغباتك".

غير أنه هذه المرة وضع يديه على رأسه وأخذ يصرخ:

"إليك عني أيتها النفس الشريرة الأمارة بالسوء، دعيني فأنا إنسان لي قلب لم يمت، ولي عواطف وأحاسيس لم تتعطل .. كفاني زيفا .. كفاني وَهْمًا".. ثم أجهش بالبكاء.

دخلت عليه السكرتيرة على حين غرّة ٍ وفي يدها ملفّ ٌ عاجل ٌ كان قد طلب منها إعداده على جناح السرعة، فذهلتْ حين رأته يضع يديه على وجهه وقد اغرورقت عيناه بالدموع. وقفت كأنها لا تصدق ما ترى .. فهذه هي المرة الأولى التي تراه فيها على هذه الحال، ترددت قليلا قبل أن تسأله:

-هل أنت على ما يرام يا سيدي؟

-نعم، نعم أنا بخير.

-ولكنني وللمرة الأولى، منذ أن عملتُ في هذا المكان، أراك تبكي!

نظر إليها ثم قال بصوت حزين:

-ولِمَ لا أبكي وقد قتلت ُ ابن أختي؟

صرخت في دهشة ٍ ووضعت يدها على فمها ثم قالت:

-ماذا تقول .. يا سيدي؟

-أتذكرين تلك المرأة الفقيرة التي جاءت إلى مكتبي هذا، في اليوم نفسه الذي زارنا فيه وزير التعليم .. وقلتِ لي إنها تشبهني؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت