-نعم أذكرها جيدا، فقد أشفقت عليها كثيرًا .. وصورتها لم تغادر خيالي، ولم أر في حياتي أكثر منها بؤسًا ولا أشقى حظًا.
-تلك المرأة هي أختي الوحيدة وكانت قد جاءتني تطلب مني أن أساعدها لتعالج ابنها الصغير، الذي كان مريضا، ولكني رفضت أن أساعدها، وطردتها من مكتبي بطريقة سخيفة .. لقد كنتُ وحشًا ذلك اليوم.
سكت قليلا ثم استطرد قائلا:
-لم أكن أريد أن يعرف أحد شيئًا عنها. فقد فارقتُ أسرتي منذ مدة طويلة، ولم أر أحدًا منهم بعدها إلا ذلك اليوم الذي جاءت فيه لطلب المساعدة. لقد كنت مجرمًا حقا بطردها، وكسر خاطرها، وقد مات ابنها الذي جاءت لطلب المساعدة من أجله، ولقد ساهمت ُ في موته.
ثم وضع يديه على وجهه وأجهش بالبكاء.
-لا عليك سيدي، هذا أمر طيب أن تعرف أنك أخطأت، فما زال في إمكانك أن تصلح خطأك.
رفع بصره ثم نظر إليها وقال بلهفة:
-وكيف؟
-أن تذهب إليها وتعتذر منها، فهي أختك الصغيرة، وستفرح بذلك، وهي في حاجة لمن يواسيها الآن.
-وهل تعتقدين أنها ستسامحني، بعد أن مات ابنها الوحيد، وبعدما أهنتها وطردتها؟
-نعم. هذا ما أعتقده فهي امرأة .. وهي عاطفية بطبعها .. والكلمة الطيبة ترطب فؤادها .. وتذهب بغيظ قلبها.
-شكرًا لك.
ثم قام لتوّه وغادر مكتبه، وقاد سيارته بنفسه في اتجاه الحارة القديمة التي عاش فيها طفولته، وغادرها منذ أكثر من عشرين سنة ولم يدخلها منذ ذلك الوقت ...