العالية تلعب بها كما تلعب الرياح بأغصان الأشجار في يوم عاصف. كان مرزوق يشعر بكل هزة وبكل تمايل للسفينة، فأصيب بالغثيان، وتقيأ على ملابسه وكاد أن يُغمى عليه من رائحة القيء الكريهة.
بعد ثلاث ساعات من الإبحار، وصلت السفينة إلى الضفة الأخرى. فخرج منها المسافرون والشاحنات والسيارات والدراجات النارية.
فرح مرزوق بانتهاء هذه الرحلة البحرية الطويلة، وشعر بالراحة عندما توقفت السفينة عن التمايل ذات اليمين وذات اليسار. ظن أن هذه الرحلة لن تنتهي أبدا .. فالساعات التي قضاها في الصندوق داخل السفينة مرت بطيئة كأنها دهر، رجعت به ذاكرته إلى مشهد الوداع فتذكر والدته التي تركها تبكي، وأخته الصغيرة سلوى، فدمعت عيناه. وتذكر والده القابع في غياهب السجن ينتظره .. فهانت عليه مشقة الرحلة، ووعثاء السفر، وهو يحاول أن يطمئن نفسه بأن الوقت سيمر سريعًا، وتمر الأيام على كل الأحوال وسيصل إلى هدفه وغايته. وكان يحدوه الأمل، وكان يعزي نفسه، بأنه سينسى كل هذا التعب وهذا الألم عند بلوغ الأمل، ويصل إلى بلاد الوهم ويحقق أهدافه ومآربه .. فلطالما راوده هذا الحلم اللطيف .. ورسم صورة جميلة لتلك البلاد في مخيلته، وكان يمني نفسه بأن يكون قادرًا على جمع المال بسهولة ويسر .. إذ كان قد رأى كيف تحسنتْ أحوالُ أصحابه وأقاربه الذين ذهبوا إلى تلك البلاد ورجعوا بالسيارات الفارهة، والمواد الكهربائية والالكترونية المتطورة، وشيدوا البيوت الكبيرة في القرية .. كما رأى احترام الناس لهم، وحفاوتهم بقدومهم، واستقبالهم استقبال الفاتحين عند رجوعهم.
خرجت الشاحنة مسرعة إلى الطريق السريع بعد إتمام إجراءات الجمارك .. ثم انطلقت مباشرة صوب المدينة. لم ير مرزوق شيئا في الطريق .. ولكنه شعر بلسعة برد تسري في جسده .. وأن الجو قد تغير عليه .. ولكنه لم يلق لذلك بالا ً، فالأمل يحدوه، والأماني تدفعه.
توقفت الشاحنة فجأة في أحد الشوارع الجانبية المظلمة، فنزل منها مرزوق، بعدما فتح السائق الصندوق .. وساعده على الخروج منه. كانت عضلات رجليه قد تشنجتْ، ولم يعد في مقدوره الوقوف عليهما. وأخيرًا أفلح في ذلك بعد أن ساعده السائق على الوقوف، وأعطاه بعض الماء لينظف ملابسه وزجاجة ً من الماء ليشربها. ثم قال له:
-الحمد لله على السلامة .. لقد وصلنا .. وفي أقل من المدة المفترضة. وينبغي الآن أن أتركك وأذهب قبل اكتشاف أمري. لقد انتهت مهمتي هنا.
-أشكرك جدًّا، وآمل أن تقوم بإعلام أمي بوصولي حين ترجع.