الصفحة 56 من 122

قال السائق:

-اطمئن، فأنا لم أنس اتفاقنا على ذلك أيضًا. استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

غادرت الشاحنة المكان مسرعة، وبقي مرزوق وحيدًا ينظر حوله في حيرة وارتباك .. وهو لا يعرف أين يتجه .. ولا أي طريق يسلك .. وضع يده في جيبه وأخرج منه قصاصة ورق صغيرة عليها رقم هاتف أحد أصدقائه .. سار في اتجاه الأضواء الملونة التي كان يراها من بعيد حتى وصل إلى شارع كبير ممتلئ بالناس ومتلألئ بالأضواء الملونة المختلفة، ورأى الشاشات الضخمة مبثوثة في الشوارع تبث الدعايات .. أخذته دهشة .. ووقف يتأمل وينظر إلى هؤلاء الناس .. فهم يختلفون تمامًا عن أهل القرية التي جاء منها .. فالنساء كاسيات عاريات .. مائلات مميلات .. يرتدين البنطلونات الضيقة والملابس الكاشفة .. ويلبسن ملابس الرجال .. والرجال يلبسون الملابس الضيقة بألوانها الزاهية وينافسون النساء في لباسهن ويتشبهون بهن.

ولفت انتباهه أنّ لا أحدَ شعر بوجوده، أو ألقى له بالا. في قريته كان من عادة الناس أن يحيوا بعضهم بعضًا، وحتى لو مرَّ غريب في أحد دروب القرية، فإنه يحيي منْ يقابله في الدرب ويحيونه بدورهم. ولكن هنا لا أحد يهتم بالآخر. كلّ واحد منهم مشغول بحاله، والكل يركض .. فهذه امرأة تركض لتلحق بالحافلة .. وهذا رجل يركض ليلحق بالقطار .. وثالث يلهث .. فالسمة البارزة في هذه المدينة؛ هي اللهاث!! ولكنه لم يترك العنان لنفسه في الاسترسال في التأمل .. فقد كان متعبًا جدا ً .. ويريد أن يتصل بصديقه محسن الذي سيؤويه إلى أن يجد عملا ً يؤهله لاستئجار شقة. مشى في الشارع حذرًا يترقب، يلتفت يمينا ويسارا ً .. ولم يلبث أن رأى كشكَ هاتف عموميّ، فاتصل بمحسن.

استيقظ محسن من نومه على رنين الهاتف .. فرد متثاقلا ً:

-ألو .. ألو .. من المتكلم؟

-السلام عليكم يا محسن. هل عرفتني؟

-وعليكم السلام .. لا لم أعرفك ولكن صوتك ليس غريبا عني!

-أنا مرزوق الخياط صديقك .. هل ما زلت تذكرني؟

-أهلا ً مرزوق .. بالطبع ما زلت أذكرك! ما هذا الكلام يا رجل؟؟ المهم الآن كيف حالك؟ .. وأينك َ الآن؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت