الصفحة 57 من 122

-آسف على الإزعاج .. يا محسن .. أعلم أن الوقت متأخر .. ولكني وصلت لتوّي إلى"جمهورية الوهم".. ولا أعرف إلى أين أذهب؟

-الحمد لله على سلامتك .. أين أنت بالضبط؟

-بجانب محطة قطار كبيرة!

-هنالك عدّة محطات للقطارات في هذه المدينة. ما اسم المحطة؟

-لا أستطيع أن أقرأ .. فأنا لم أتعلم لغة هذا البلد بعد.

-حسنًا. أوقف سيارة أجرة .. واشرح للسائق بالإشارة أنك ستتصل بي وتريده أن يتكلم معي، وبذلك أعرف مكانك أولا ً وأطلب منه أن يوصلك إلى بيتي ثانيًا.

قام مرزوق بما طلبه محسن منه، وبعد أقل من نصف ساعة كان الصديقان يتعانقان بحرارة ومودّة عند باب بيت محسن. لم يكن كلّ منهما قد رأى الآخر منذ أكثر من خمس سنوات، منذ أن غادر محسن القرية وهو في العشرين من عمره، متوجها إلى"جمهورية الوهم"، حيث طلب اللجوء السياسي بسبب مواقفه السياسية ومطالبته السلطات في بلاده بإقامة العدل وهو طالب في الجامعة .. وكان معروفًا بخلقه الحسن وذكائه، وكان وسيمًا طيبًا نشيطًا، يحظى بحب وتقدير جميع أهل القرية.

نظر إليه مرزوق مليا قبل أن يسأله بدهشة:

-ماذا حل بك يا رجل؟ لقد تغيرت كثيرا .. إنك تبدو كأنك في الخمسينيات من عمرك!

-إنها الدنيا يا أخي .. فالحياة هنا لا كما يظن كثير من الناس، فهي تمر بسرعة وتأكل الشباب أكلا .. وهي حياة تعيسة قاسية لا طعم فيها .. والجميع يعيش فيها في وَهْمٍ وهموم ٍ لا تتوقف، ويبحثون عن السعادة المفقودة .. وكل من يأتي إلى هذا المكان يدخل معهم في حياتهم، ويركب معهم نفس العربة، ويشاركهم حياة الوهم التي يعيشونها.

-ماذا تقول؟؟ لقد أخفتني يا محسن.

-معذرة، يا صديقي .. لم أقصد ذلك .. سألتني ما الذي غيرَ حالي، فأجبتك .. ولو أنك استشرتني قبل أن تأتي لنصحتك بعدم المجيء.

-هل الحياة صعبة في هذه البلاد إلى هذه الدرجة؟ .. أقول لك بصراحة؛ أنا لم آت رغبة ولا حُبًا في هذه البلاد .. ولكن الظروف القاسية هي التي أرغمتني على المجيء إليها.

-لا لم أقصد ذلك .. بل قد تكون الحياة سهلة ومريحة .. ولكن الضريبة التي ندفعها باهظة الثمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت