فهرس الكتاب
لكن ثمة مناطق من العالم في الحقيقة شكلت فيها فجوة هنتنغتون بين التحشيد الاجتماعي المتزايد والتطور المؤسسي المتعاظم محركا رئيسا لعدم الاستقرار. وبينها خبر الشرق الأوسط عددا كبيرا من الانقلابات والثورات والنزاعات الأهلية في الخمسينيات والسبنبات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، شهدت العقود اللاحقة ظهور أنظمة سلطوية مستبدة على درجة عالية من الاستقرار في شتى أنحاء العالم العربي، فقد خضعت تونس ومصر وسورية وليبيا الحكام ديكتاتوريين لم يسمحواللمعارضة السياسية بممارسة نشاطها، وسيطروا سيطرة صارمة على المجتمع المدني. كانت البلدان العربية في الشرق الأوسط في الواقع الجزء من العالم الذي لم يشارك في الموجة الثالثة من التحولات الديمقراطية 12)
تغير ذلك كله تغير درامية في أوائل عام 2011 مع انهيار نظام بن علي في تونس، وسقوط حسني مبارك في مصر، والحرب الأهلية في ليبيا ومقتل معمر القذافي، إضافة إلى حالة خطرة من عدم الاستقرار السياسي اجتاحت البحرين، واليمن، وسورية. استحث ما سمي بالربيع العربي عدد من العوامل، منها ظهور طبقات وسطي كبيرة في مصر وتونس. تظهر مؤشرات التنمية البشرية التي تنظمها الأمم المتحدة، وتتألف من مقاييس مركبة للصحة والتعليم والدخل، زيادة بنسبة 28 في المئة في مصر، و 50 في المئة في تونس في الفترة الممتدة بين عامي 1990 و 2010 (19) . هنالك أيضا زيادة مهمة في أعداد خريجي الجامعات، ولاسيما في تونس (19) . قادت الطبقات الوسطى الجديدة، التي حشدتها محطات البث الفضائي (الجزيرة) ووسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) ، الانتفاضة ضد ديكتاتورية كل من بن علي ومبارك، حتى وإن خرجت التطورات اللاحقة عن نطاق سيطرة هذه الفئات الاجتماعية (15)
ما شهده العالم العربي بكلمات أخرى حادث دهنتنغتون، إذا جاز التعبير: تحت سطح حكومات استبدادية محصنة على ما يبدو، كان التغير الاجتماعي يجري على قدم وساق، ونفس لاعبون احتشدوا حديثا عن خيباتهم وإحباطاتهم من أنظمة حاكمة لم تفعل شيئا لدمجهم في المؤسسات الجديدة. ولا ريب في أن الاستقرار المستقبلي لتلك