سوف يستمر تراث البيروقراطية المستقلة الذي تأسس في القرن الثامن عشر في جمهورية المانيا الاتحادية المعاصرة. نجح النظام الاشتراكي القومي بعد أن وصل إلى السلطة عام 1933 في إخضاع المؤسسة العسكرية لمشيئته، لكنه ترك غالبية البيروقراطية المدنية سليمة. وخلافا للشيوعيين البلاشفة والصينيين، لم يوجد النازيون تراتبية موازية من المفوضين، ولا سعوا إلى تفكيك البيروقراطية بالجملة پل اكتفوا بإضافة أفراد موالين إلى بعض الوزارات (ولاسيها وزارة الداخلية) وأجروا عملية تطهير طالت المسؤولين اليهود والشيوعيين، لكن في النهاية وجدوا أنهم بحاجة إلى الاعتماد على قدرة الخدمة المدنية
ونتيجة لذلك كله، بقيت تلك البيروقراطية تعمل بكفاءة حين دمر الحلفاء النظام النازي (مايو/ أيار 1945) ، وأثبتت في الحقيقة مرونة استثنائية على الرغم من سعي سلطات الاحتلال الحليفة لتطهيرها من المسؤولين من أصحاب الخلفية النازية أو المتعاطفين معها. بلغت نسبة أعضاء الحزب من بين الموظفين البروسين في الخدمة المدنية كلها نحو 81 في المئة، انضم نصفهم قبل عام 1933 (09, وجهدت سلطات الاحتلال الأميركية والبريطانية والفرنسية إلى استئصال النازية من الحكومة الألمانية عبر إجراء محاکات لكبار القادة بتهمة ارتكاب جرائم الحرب في نورمبورغ، ثم عبر تطهير الخدمة المدنية من الأفراد، لكن مع إقامة الجمهورية الاتحادية الجديدة عام 1949 وتزايد الضغوط من أجل تشكيل حكومة فعالة يمكن أن تحتضن حلف النيتوه الجديد ضد الاتحاد السوفييتي، أعيدت أعداد كبيرة من المسؤولين المطرودين إلى الخدمة. وصدر قانون اتحادي عام 1951 بمنح جميع موظفي الخدمة المدنية النظاميين، ومنهم أصحاب الخلفية النازية والذين طردوا من المانيا الشرقية، حق العودة إلى الوظيفة(39) . ومن بين ثلاثة وخمسين ألف موظف طردوا بداية في عملية التطهير، لم يستثن من العودة إلى الخدمة نهائية سوى ألف
تغير المجتمع الألماني تغيرا هائلا مع إقامة الجمهورية الاتحادية في منتصف القرن العشرين، وذلك بعد تدمير الأرستقراطية، وطبقة اليونكر القديمة، والخزي الذي أصاب النظام النازي الشائن، وتفكيك دولة بروسيا، وانتشار القيم الديمقراطية