الصفحة 606 من 810

خاضعة لتعددية في المحددات: أي إن لطبيعتها الاستبدادية وغير الليبرالية مصادر متعددة ولا تكمن في مجرد الظروف المادية التي وجدها المستعمرون. كأنيا الإسبان والبرتغاليون أبتكروا في أوربا مؤسسات ليبرالية ومساواتية وأرادوا نقلها إلى العالم الجديد وغرسها هناك لو كانت الظروف ملائمة. الحالة ليست على هذه الصورة بالتأكيد، في الحقيقة، سعي هولاء إلى إعادة ابتکار نسخة من نظامهم السيامي في مستعمراتهم، بدأت الظروف في الوطن تتغير مع سلسلة متواضعة من الإصلاحات الليبرالية التي حدثت في عهد ملوك آل بوربون في القرن الثامن عشر، ومع لبرلة إسبانيا ذاتها، أصبحت أنواع المؤسسات المصدرة إلى الأميركبتين ليبرالية أيضا

لا تكمن الاختلافات الحقيقية بين أميركا الشمالية والجنوبية في هذه الظروف المؤسسية الأولية بقدر ما تعود إلى ما حدث لاحقا. في الواقع كانت أوربا كلها، ومنها إنكلترا، سلطوية واستبدادية وتراتبية وظالمة عند بداية القرن السادس عشر. لكن بلدانها شهدت سلسلة من الحروب الدموية والثورات العنيفة على مدى القرنين اللاحقين، أنتجت أولأ سلسلة من الدول القوية والراسخة والحديثة، ثم أفرزت، ثانيا، تغييرات في المؤسسات السياسية أدت في نهاية المطاف إلى قيام الديمقراطية الحديثة. في بعض الأحيان يحظى ما لم يحدث بأهمية الحادث في تفسير ما جرى فيما بعد، مثلما قال شرلوك هولمز عن الكلب الذي لم ينبح. في أميركا اللاتينية، هنالك أيضا كلب لم ينبح: العنف السياسي الذي استمر على نطاق واسع وكان حاسم الأهمية في تشکيل دول أوربا الغربية وصياغة الهوية الوطنية لم يزلزل العالم الجديد. تلك حقيقة مفيدة بالتأكيد لكنها ذات حدين. فمن ناحية، كانت أميركا اللاتينية قارة أكثر سلام وهدوءا من أوربا أو آسيا. ومن ناحية أخرى، تطورت مؤسساتها السياسية بخطوات أبطأ جراء ذلك، وحافظت الأشكال الأقدم عهدة من الحكومات السلطوية الاستبدادية، إضافة إلى حالات الظلم الاجتماعي التي أستندت إليها، على بقائها واستمراريتها مدة أطول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت