لكن في القرنين اللاحقين ارتقت بعض البلدان باتجاه مختلف تماما. اقتفت بروسيا والدانمرك وهولندا وبريطانيا وغيرها من البلدان الأوربية أثر فرنسافي تطوير بيروقراطيات مرکزة ومصممة وفقا للخطوط الفيبرية. فضلا عن ذلك كله، لم تكتف الثورة الفرنسية بإطلاق الدعوات المطالبة بالمشاركة السياسية الشعبية فحسب، بل بشكل جديد من الهوية يصيح فيه الاشتراك في اللغة والثقافة المصدر المركزي لوحدة عامة الجماهير الديمقراطية الجديدة، شجعت هذه الظاهرة، التي عرفت بالقومية، إعادة رسم خريطة أوربا السياسية مع تنحي دول الأمر السلالية المرتبطة بالمصاهرة والالتزامات الإقطاعية لتحل محلها أخرى تعتمد على مبدا التضامن الإثني-اللغوي، لقد مثلت الانتفاضة الجماهيرية للثورة الفرنسية أول تجميع هذه النزعات معا: تمكنت الحكومة الثورية في باريس من تعبئة جزء مهم من السكان الذكور القادرين جسدية للدفاع عن فرنسا. ومضى هذا التحشيد المعبر عن سلطة الدولة قدما بقيادة نابليون لغزو معظم أوروبا.
وهكذا يمكن القول إن ما يلفت الانتباه في أميركا اللاتينية في القرنين التاسع عشر والعشرين هو الكلاب التي لم تنبح. إذ لم تظهر نط دول قوية مثل فرنسا ويروسيا في أي مكان من المنطقة، ربما باستثناء تشيلي. ولم تنبثق القومية والحساسة الوطنية بأي شكل يشابه ما حدث في أوربا، حيث أمكن استنهاض السكان كلهم وإثارة غضبتهم وقدراتهم التنافسية ضد الجيران. ومع وجود استثناء واحد أو اثنين، لم تستجمع الدول قط الطاقة اللازمة للهيمنة على السكان وتعبئتهم. وظلت الحكومات المستقلة التي ظهرت بعد التحرر من إسبانيا والبرتغال، تشبه من جوانب عديدة الحكومات الاستعمارية التي سبقتها. اتسمت إسبانيا في عصر النظام القديم بالاستبداد الضعيف: كانت الدولة مركزية ومستبدة، لكنها ضعيفة القدرة نسبيا وعاجزة عن الهيمنة على نخبها. ومع أن كثيرا من حكومات أميركا اللاتينية بعد الاستقلال کانت ديمقراطية أسمي، إلا أنها لم تتمكن قط من إنتاج دولة مثلك ما يكفي من القدرة والاستطاعة. وتمثل الفشل في إقامة دول حديثة أولا وقبل كل شيء في عدم قدرة دول أميركا اللاتينية على جباية مستويات مهمة من الضرائب من