هذا القرار الجدير بالثناء قد ظل سنوات عديدة حبرا على ورق 19) فإن ذلك لا يقلل من أهمية الموقف المتحرر الذي اتخذه قادة العلماء تجاه هذه المسألة الدقيقة
وكانت الكوليرا أيضا تتقاضى ضريبة كبيرة من العثمانيين في تلك الفترة وإن كانت أقل تدميرا من الطاعون. وقد كتب رئيس أطباء السلطان محمود وصديقه الحميم قاضي عسکر مصطفي بهجت بأمر من السلطان بحثا عن الكوليرا بالتركية استفاد فيه من كتاب ممسوي، وبعد أن يسرد وصفا لتاريخ المرض يصف المؤلف أعراضه ويوصي بتدابير احترازية ونماذج من المعالجة (17) وقد طبع من الكتاب عدة آلاف نسخة في المطبعة الإمبراطورية وفي أغسطس 1831 وزع مجانا على السكان المدنيين وعلى الجنود في استنبول والمقاطعات (18) . وقد اضطلع هذا العالم نفسه مصطفي بهجت بدور فعال في تطور الدراسات الطبية المبكرة، وتأسست في أيام توليه للمرة الثالثة رئاسة الأطباء ومبادرة واسعة منه، المدرسة الطبية الجديدة للجيش «الطب - خانه او الطبية، وذلك في عام 1827 (19) وكان على المعهد الجديد أن يلغي أحكاما مسبقة شعبية تقليدية قوية ضد نشريح الجسم البشري، وقد أمر السلطان محمود بواسطة (خط همايوني) بطبع كتاب في التشريح تحت عنوان «مرأة الأبدان في تشريح أعضاء الإنسان، الذي ألفه صانع زاده محمد عطاء الله وهو شيخ سبق ذكره، وكان ذلك قبل افتتاح المدرسة الطبية ببضع سنوات، ويحتوي هذا الكتاب الذي نشر سنة 1820 وأثار كثيرا من الاهتمام في أوروبا على عدد كبير من الرسوم المحفورة التي توضح التص 20)، وكان نشر صور الشكل الإنساني مناقضا أيضا للتقاليد العثمانية الإسلامية وإن من الجدير بالملاحظة أن الرجل الذي تجاهل احكاما مسبقة دينية قوية كهذين اللذين ذكرناهما وألف هذا الكتاب الطليعي في الطب الحديث كان عضوا في الطبقة العليا من سلك العلماء.
ولم يقتصر تعاون العلماء على الإصلاح الثقافي في المدرسة الطبية بل اتخذت الخطوات الأولى في عام 1838 - 1839 لتأسيس «الرشدية، وهي مدارس متوسطة غين للإشراف عليها إمام زاده محمد أسعد ووظيفته قاضي عسكر في الأناضول تحت لقب
ناظر مكتبي معارفي عدليي (21) وبعد سنوات قليلة من وفاة السلطان محمود ختم هذا العالم والمؤرخ عمله الوظيفي أول وزير عثماني للتربية (22)