خلاصة يمكن فهم مسائدة قادة العلماء الإصلاحات سليم الثالث ومحمود الثاني التغريبة من منظور اندماجهم في الطبقة الحاكمة ومشاركتهم الفاعلة في حكومة الإمبراطورية العثمانية التي حافظت بقوة على طابعها الإسلامي. وقد وجدوا أنفسهم من خلال عدائهم للإنكشاريين (الرجعيين والبكتاشيين) حلفاء طبيعيين للسلاطين الإصلاحيين. وكانوا يخشون جانب محمود الثاني ويعلمون أن الضعف الداخلي في سلكهم يجعل المقاومة العلنية لسياسته امرا يستحيل الاستمرار فيه. وكانت الجهود الحثيثة التي حاول كل من السلطائين أن يثبت من خلالها مسلکه الديني القويم وأن يطمئن العلماء أيضا، سببا في
جعل معارضة هؤلاء الأخيرين للإصلاحات صعبة، وفي مساعدتهم على إبقاء ضميرهم مرناقا، وأخيرا لم تكن التغييرات الكبيرة في عهد سليم الثالث ومحمود الثاني تحدث باسم أيديولوجية جديدة ولم تكن مؤسسة عليها ولا مرفقة بسلسلة جديدة من القيم بل على العكس قدمت جميع الإصلاحات الهامة، كما ذكرنا، وكأنما احتاج إليها الإسلام واجازها، لقد صنع كل شيء في سبيل مصلحة الدين والدولة
وكثيرا ما لوحظ أن العلماء في أزمنة مختلفة ومناطق متعددة كانوا معنيين بانکار الإسلام وقيمه النظرية أكثر من عنايتهم بالقتال من أجل الحفاظ على المؤسسات الإسلامية العاملة، وقد اعتادوا منذ زمن طويل على الامتثال لرغبة الحكام الزمنيين وعلى التسامح بشان تجاوز المجتمع الإسلامي للشريعة، إن ما كان مهما في نظرهم هو القواعد الإلهية للإسلام في حين كان الواقع مؤقتا على كل حال سريع الزوال وشرا من الناحية الأخلاقية وكانوا يعتقدون حسب قول 171) سوك هرغونج Snouek Hurgronje، إن المرء لا يصبح كافرا بإهماله كل القانون تقريبا أو بانتهاكه، بل إذا ارتاب بالقيمة الأبدية لأي من مبادله مع رغبته في تحسيئه أو إصلاحه، وقد بذل سليم الثالث ومحمود الثاني جهدهما للتاكيد على أنه لا شيء أبعد عن ذهنهما من ذلك الارتياب. ولم تبدأ الإصلاحات الشرعية إلأ في عهد السلطان عبد المجيد فقط مع مناقشة مفتوحة للإصلاحات الدينية وأكثر من ذلك فيما بعد.